«خيانات اللغة والصمت»


تلقّيتُ من «دار الجديد» كتاباً بعنوان «خيانات اللغة والصمت» للشاعر والصحافي السوري فرج بيرقدار. نقرأ في الشرح على الغلاف الأخير: «كان اعتقاله آخر مرّة بسبب انتمائه إلى حزب العمل الشيوعي، في 31 آذار 1987 بعد أربع سنوات من التخفّي والملاحقة. أحيل، عقب ست سنوات من التوقيف، على محكمة أمن الدولة العليا في دمشق، فأصدرت بحقّه حكماً بالسجن خمسة عشر عاماً مع الأعمال الشاقّة والحرمان من الحقوق المدنيّة والسياسيّة. بعد أربعة عشر عاماً من الاعتقال قضاها ما بين فروع الأمن وسجن تدمر الصحراوي وسجن صيدنايا العسكري، أفلحت الحملة الدوليّة المطالبة بالإفراج عنه في حمل السلطات السوريّة على ذلك». واليوم يقيم في أسوج.

لماذا يعتقل شخص بتهمة الانتماء إلى حزب شيوعي؟ وكيف يستمر «توقيفه» ست سنوات!؟ توقيف بلا محاكمة. توقيف في ما يشبه التغييب الكابوسي، بل أفظع، لأنّها حالة من التعليق النفسي بالمقلوب، وربّما الجسدي أيضاً، فمَن يردع؟ وما يعيب أيضاً أن بيرقدار، الشاعر والصحافي، لم ينل من اتحادي الكتّاب العرب والصحافيّين العرب أيّ اهتمام، ورغم انتسابه إلى اتحاد الكتّاب والصحافيّين الفلسطينيين عام 1981، «لم يجرؤ هو الآخر على الاعتراف بأنّي عضوٌ فيه».
أدعو كلّ مسرور بكونه غير معتقل إلى مطالعة هذا الكتاب، علّه يقدّر معنى كونه طليقاً، أو، بالعكس، يقرّر أن لا فرق جوهريّاً بين «حريّته» وعدمها داخل مجتمعات تمييز فيها بين يوم في المعتقل وسنة وألف سنة، لأنّ السجن هنا هو للرعب والإهانة، وهو انتفاء معايير الحساب أو الرحمة، وهو الآخرة.
ما هو السجن في العالم العربي؟ إنّه الوجه الحقيقيّ للسلطة.


الجرح لا الوحي

دعنا نفضّل أن يكون الحبّ البشري بدايةً محتملة لبلوغِ حبٍّ إلهيّ، لا العكس. دعنا نفضّل الينبوع الكسير على الشلّال الخطير، والجرح على الوحي.
لا تَخَفْ من شخصٍ يَحْنيه حبُّ شخص، إنّما من شخصٍ مذهوبٍ بحبّ الله. لا تخفْ من رجلٍ يغارُ على امرأة، بل من إنسانٍ يغارُ على الله.


بشاعات سينمائيّة

حلمٌ بتخليص حلم من كوابيس.
حلمٌ بتنقية السينما من مبيدات تتذرّع بالواقعيّة، والعذر قبيحٌ كالذنب.
حلمٌ بإلغاء جميع المشاهد الجارحة والمقرفة من السينما (التوليد، نوبات المخاض، تنظيف الأسنان، قضاء الحاجة، خلع الملابس الداخليّة أو ارتداؤها، شمّ الأصابع للتأكّد من رائحتها، بروز طيّات الأندروير تحت الفستان، التهام الدجاج مع انغماس يدَي الرجل في شعر المرأة، تلعيبُ السكّين في بطن الذي يُطعَن، مشاهد النوم والشخير وسائر النشاطات المقزّزة، الجوارب ارتداءً وخَلْعاً، ـــــ وخصوصاً للرجال ـــــ أصابع القدمين، تبادل الكلام من فم إلى فم كأن فَمَوَي الشخصين قارورتا طيب لا فوهتا أمعاء، عمليّات الجراحة، إعلان الفتاة عن ذهابها إلى الحمّام كأنّها تُطْلِق نكتة، مشاهد التقيّؤ... والبقيّة طويلة).
نجت السينما من بشاعةٍ كبيرة بفضل كون الشاشة بلا رائحة. مشاهد كالمذكورة آنفاً تَخْنق خَنْقاً. الرائحة ليست الرائحة المختصّة بالأنف وحده، بل المشمومة أيضاً بالأذن والعين والذاكرة والخيال ومختلف الحساسيّات.
السينما أجمل حلم اخترعه القرن العشرون. تلطيخ الأحلام أبشع جريمة.


بخلاء (3)

لفرط ما نرى كم يخسر البخلاء ببخلهم من آيات كان يمكن أن يُحقّقوها بعدم البخل، لا نأسف للآيات بل نشفق على البخلاء. البخيل يظنّ أنّه حيّ بينما هو نزيل خزانةٍ مقفلة. كيف يحيا البخيل والحياة إنفاق؟ كيف يحبّ والحبّ إنفاق؟ كيف يشعر والشعور إنفاق؟ كيف يسكر، يستمتع، يقرأ، يصغي، يُشاهد، كيف يمشي وكل واحدة من هذه إنفاق؟
لا يربط البخيلَ بالحياة إلّا الموت. البخل أوّل القفْل والقبر آخره


وأوأة

«اي (ألفظْ È) هناك تفهّم، اي، إسرائيل تفكّر في نوعيّة تسليحها، اي، في دخول مئات من الجنود المصريّين، اي، إلى سيناء، اي، حاليّاً، اي اي، من هنا أنطلق، اي، إلى النظر، اي، في، اي، توافق المصالح، اي، المصرية، اي، والإسرائيليّة، اي اي»...
مقطعٌ صغير من تصريحات أدلى بها مسؤول إسرائيلي لفضائيّة عربيّة. حرفيّاً بدون زيادة. كلّ كلمتين ثلاث يضع الإسرائيلي المتكلّم بالعربيّة حرف È. عندما كنّا نسمع نشرة الأخبار العربيّة من إذاعة إسرائيل كنا نُعْجَب لرصانة المذيع وسلامة اللغة وحسْن النطق. لو بقيت إسرائيل على نمطها الإذاعي القديم لظللنا مخدوعين بتلك الصفات. الارتجال، والارتجال التلفزيوني خاصة، كَشَف العورات. لا أظنّ أنّ هناك أسمج من هذا اللفظ. لغة بأمّها وأبيها تصبح مبطوحة على مخدّات مترامية من حرف È. جَلْغة مهروقة بسماجة وَلَد لا يعرف لسماجته حدوداً. والأفظع ليس أن معظم الإسرائيليين الناطقين بالعربيّة يشوّهونها على هذا النحو، بل إنّ العديد من عرب فلسطين المحتلّة بات نطْقهم يَعْرج ويَسْكَع ويوأوئ بهذه الطريقة.
خطأ أساتذة اللغة أنّهم يعلّمونها بالكتب عوض أن يعلّموها بالصوت. القواعد للذاكرة، أمّا اللفظ، فهو للأصول وللذوق قبل الأصول.
وأوأة العربيّة نكبة ثانية.


أكثر

فوق القانون، هناك أكثر.
فوق الفضيلة، هناك أكثر.
فوق الممتاز والبهاء والوفاء والتضحية والجود والمروءة وسائر الأخلاق
هناك دائماً أكثر.
إنّه البُعْد الذي نستسلم إلى افتراض وجوده فيما لا نعود قادرين على الاستيعاب ولا على التحليل. الأفق الذي يتراءى وراء الأفق. شيء كنّا ننتظره فيأتينا بأكثر ممّا كنّا ننتظر.
ما هو هذا البُعْد؟
وهل هو الذي يوقظ حاجتنا إليه أم نحن، وفي لحظة مجهولة، نوجد له ظروف الكينونة؟
هذا الأكثر، بُرْهانُهُ في المتلقّي المنفعل هو على العموم برهانٌ صغير. برهانه الأعظم هو في الفاعل، في المالك، مالك «هذا الأكثر» بريشته أو نغمه أو قلمه، تطير به نِعمته فتصله بالمصادر معلومة ومجهولة.
نعمةٌ تنسكب عفويّةً شبه معتذرة، أو تنسكب ساحقة، نعمة هي، لمَن ينفعل بها هذه المرّة، أقوى ممّا هي لمالكها.


قارئ

أنشر أحياناً ما تجعلني ردّة الفعل عليه أرتبك وأرتاب في مفاهيمي.
غالباً ما أتخيّل القارئ توأماً لي فأستسلم إلى الكتابة كمَن يستسلم إلى تأمّلاته. ولعلّ لهذا محلّاً في الكتاب لا في جريدة. وفي جملة التباساتي أنّي اتّخذتُ من الصحافة كتاباً لي قبل الكتاب.
ليس القارئ واحداً هنا وهناك. إذا أردنا تشبيهاً سطحيّاً قلنا: قارئ الجريدة سائح في مقهى، وقارئ الكتاب كاهن في كرسيه المغلق يصغي إلى معترف. يحقّ للمعترف ما لا يحقّ للمارّة أمام المقهى ولا لجلّاسه.
في جميع الحالات للقارئ حريّة لا يعرفها الكاتب، هي حريّة مَن يختار. أمّا الكاتب، فخياراته هي من نوعٍ آخر، والصحيح أنّها كلّها فروضٌ وانضباطات، والاختيار فيها من مرتبة القَدَر أو مصارعة القَدَر، ولا أثر هناك لحريّة مَنْ يتفرّج ويختار.
يظنّ الكاتب أحياناً أنّه يكتب لنفسه وحدها غير عابئٍ بمَن سيقرأ، وهو ظنٌّ بَنّاء وواهم معاً. حتّى في النسك ومنتهى التوحّد والانقطاع عن الآخر يستحيل أن لا يخاطب الصامتُ شيئاً، فكيف بالكاتب، والكتابة أَخْذٌ للحياة من قلبها. هناك على الأقلّ قارئٌ بالقوّة يتوجّه الكاتب إليه، قارئٌ مُتخيَّل هو في الحدّ الأدنى الوجه الآخر أو الوجوه الأخرى للكاتب نفسه.
القارئ هو الكاتب نفسه أوّلاً، الكاتب هو قارئ لنفسه يفصله عن كتابته حسّه النقدي. القارئ الآخر، «الغريب»، «إلهٌ يحكم» كما سمّاه بلزاك. ملاكٌ قد يسقط معك أو شيطان قد ينتزع بفضلك خلاصه.
مَن هو القارئ المثالي؟ إنّه الذي يقرأ. أمّا القارئ المرغوب، فهو الذي يعيد القراءة. وحتّى يُعيد القراءة وَجَب أن تكون بينه وبين الكاتب موجة مشتركة أشدّ قوّة من موجة الهوى الأوّلي. إعادة القراءة هي الامتحان الأقسى للكتابة.
وهناك قارئ يَطْلَع على ما يطالع مثلما تطلع الشمس. وقارئ يُخصب ما يقرأ مثلما يُخصب الزارعُ الأرض.
القارئ المثالي هو مَن يجعله الكاتب يَنسى.

تغيب هذه الصفحة أسبوعين في إجازة