لم ينجُ وضّاح خنفر من ارتدادات «ويكيليكس». ومع نشر الموقع الشهير لبرقية «خطيرة» تفضح العلاقة بين المدير العام لـ«شبكة الجزيرة» و«وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية»، بات الإعلامي الفلسطيني في موقع لا يُحسد عليه حتماً. إذاً وضّاح خنفر الذي عرف كيف يُخمد كل الحرائق التي اندلعت في «الجزيرة»، يبحث اليوم بلا شكّ عن مخرج لائق يبعد عنه تهمة الرضوخ للإدارة الأميركية في تحديد السياسة التحريرية للفضائية القطرية. وهي السياسة نفسها التي طالما أكّد خنفر أنّها «لا تخضع لضغوط». وجاء في البرقية التي تحمل الرقم 05doha1765 ويعود تاريخها إلى 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2005، أنّ مسؤولة الشؤون العامة في وزارة الدفاع الأميركية زارت وضاح خنفر «لمناقشة أحدث تقارير وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية عن قناة «الجزيرة» والمضمون المزعج الذي ينشره موقع «الجزيرة نت»».


وأوضح خنفر للمسؤولة الأميركية أنه يُعدّ رداً مكتوباً على النقاط التي ذكرها التقرير الأميركي، ويطال أشهر تموز (يوليو) وآب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر). وأوضح أن أكثر المواضيع التي أثارت استياء الحكومة الأميركية على الموقع الإلكتروني للفضائية القطرية قد جرى التخفيف من حدّتها. وطلب منها «ترتيب طريقة إرسال التقارير»، مشيراً إلى أنه وجد أحدها على «آلة الفاكس»!
إلا أن التعاون بين الطرفَين لا يقف عند حدود تبادل التقارير، بل تظهر البرقية المرسلة من سفارة الولايات المتحدة في الدوحة أن المسؤولة الأميركية أبلغت خنفر أنه «رغم انخفاض التغطية السلبية عموماً منذ شباط (فبراير)، شهد شهر أيلول (سبتمبر) ارتفاعاً مقلقاً لهذه النوعية من البرامج». ولخّصت آخر تقرير للحكومة الأميركية عن «الجزيرة»، فقالت بوضوح إنّ المشكلة تتعلّق باعتماد المحطة على مصدرين في ما يتعلّق بتغطية الأحداث في العراق، إلى جانب مشاكل «تحديد المصادر، واللغة المحرِّضة، والفشل في إحداث توازن مع وجهات النظر المتطرفة، واستخدام أشرطة الإرهابيين».
أما وضاح خنفر من جهته، فذكر في اللقاء نفسه «ملاحظاته» على التقرير الأميركي عن تغطية «الجزيرة» الذي طال شهرَي تموز (يوليو) وآب (أغسطس). وعلّق بداية على تقرير آب الذي حمل في صفحته الأولى عنوان «العنف في العراق». هنا ذكر جملة وردت في التقرير تقول «بعد انتهاك المحطة للاتفاق الذي جمعها بالمسؤولين الأميركيين...»، معلناً أنّ هذا «الاتفاق» كان شفهياً، «ونحن كمؤسسة إخبارية لا يمكننا توقيع اتفاقيات من هذا النوع...».
لكن الإعلامي الفلسطيني سرعان ما تخطّى الشكليات ليعلن أن النقاط التي ذكرتها التقارير الأميركية تصنّف في ثلاث فئات: «بعضها أخطاء بسيطة يمكن أن نقبلها ونصحّحها، وبعضها مقتبس من خارج سياقه». وهنا استفاض شارحاً طريقة تحقيق قناة «الجزيرة» للتوازن في بثّ أخبارها: «المحطة قد تعرض وجهة نظر شخص في برنامج معيّن (...) وتعود لتعرض وجهة نظر توازِنُها في البرنامج نفسه أو في وقت لاحق من اليوم نفسه، بما أن «الجزيرة» هي قناة تبثّ 24/ 24». أما الفئة الثالثة فهي تلك التي يصعب حلّها، مثل بثّ الفضائية القطرية «للأشرطة الإرهابية». وهنا أبلغ المسؤولة الأميركية «انّنا سنستمر باستعمال هذه الأشرطة، لكن السؤال هو: كيف سنستخدمها؟» مشيراً إلى أن الأشرطة تشاهَد مراراً وتخضع للمنتجة. وعن قلق الأميركيين من اللغة التحريضية التي تبثّ على «الجزيرة»، أعلن خنفر أن المحطة تتمتّع بسلطة فقط على مراسليها، «فيما المشكلة تكمن في الأشخاص الذين نجري مقابلات معهم».
أما الفقرة السادسة فحملت عتباً من وضاح خنفر على الإدارة الأميركية بسبب تقاريرها عن أداء «الجزيرة» «التي تركّز فقط على السلبيات (... ) فإنها لا تشير مثلاً إلى المساحة التي أعطيناها للمتحدثين الرسميين الأميركيين...».
ومن قناة «الجزيرة» انتقل الحديث إلى الموقع الإلكتروني للمحطة الذي يبدو أنه يزعج الإدارة الأميركية أكثر من المحطة، إذ أشارت مسؤولة الشؤون العامة إلى موضوع نشر على الـ«الجزيرة نت»، ويحتوي على «شهادة حية من تلعفر»، وقد نشرت في الموضوع نفسه «صورة أوراق ملطّخة بالدماء ومثقوبة بالرصاص». ويضغط المشاهد على ثقوب الرصاص للوصول إلى شهادة عشرة «شهود عيان» مفترضين يصفون العمليات العسكرية الأخيرة في تلعفر (شمال غرب العراق). لم يتردّد خنفر في إظهار «حسن نيّته»، فأوضح أنه «اطّلع على الموضوع وأزال صورتين (طفلان مصابان على أسِرّة المستشفى وامرأة مصابة في وجهها إصابة بالغة)». لكنّ المسؤولة الأميركية لم تقف عند هذا الحدّ، بل واصلت انتقاد ما بقي من الموضوع نفسه حتى وعدها خنفر بإزالة الموضوع عن الموقع، «لكن ليس فوراً، لأن ذلك سيثير الريبة». ويبدو أن المدير العام لـ«شبكة الجزيرة» فهم الدرس جيداً، فأبلغ المسؤولة أنّه قال للعاملين في الموقع إنه يتعيّن عليهم إرسال مسوّدة لأي مادة تنشر في قسم «تغطية خاصة» ليطّلع عليها قبل نشرها. ثم أنهى حديثه قائلاً: «لا أقول إنّ هذه الأشياء لن تتكرر على الموقع، لكنها عملية تَعلُّم مستمرّة»!