منذ باكورته «على درج المياه العميقة» (1990)، اهتدى مبارك وساط (1955) إلى نبرة شعرية تمزج بين افتتانه بالسريالية ومتطلبات المعنى الواضح. كبح الشاعر المغربي جموح السريالية. رقَّق ضراوة تلقائيتها. صارت صفة أساسية في قصيدته من دون أن تجبره على خوض عراك لغوي مفتعل وممجوج معها. لا تزال لغته جوانية وحلمية ومتفلتة من الضوابط المسبقة، لكنها لا تُعمي القارئ عن مقاصدها، ولا تتحول إلى لغوٍ خالص. السريالية الوادعة والمعجم الجواني حجزا له مكاناً مختلفاً داخل ثمانينيات الشعر المغربي الذي بدأ بعض أفراده (صلاح بوسريف، إدريس عيسى، الزوهرة المنصوري...) بخلق انعطافة واضحة عما أنجزته أغلب التجارب السابقة. انعطافة تعززت لاحقاً مع انضمام تجارب تسعينية لافتة (عبد الإله الصالحي، جلال الحكماوي، محمود عبد الغني...) تستثمر أفضل منجزات الشعر السبعيني، وتخلطها مع طموحات مستجدة وجدت ضالتها في بضاعة شعرية من خارج الحدود، ومن المشرق العربي تحديداً.


إلى جوار قراءاته بالفرنسية، وإعجابه بأندريه بروتون، شغف وسّاط بالأدب العربي القديم. نشر أولى قصائده أواخر السبعينيات. كتب قصصاً قصيرة. نشر محاولات شعرية بالفرنسية. عثوره على أعداد من مجلة «مواقف»، وأشعار للعراقي صلاح فائق، غيّر فكرته الشخصية عن الشعر العربي. مكّنته تلك الصدفة من اكتشاف «أن ثمة شعراً عربياً معاصراً لا يقل أهمية عن الشعر الفرنسي أو الأميركي». اكتشاف قوّى صلته بأقرانٍ بعيدين، وأضعفها مع ما يُكتب قريباً منه. هكذا، صار في إمكانه كتابة قصيدة نثر تستجيب لمزاجه ونبرته: متينة، لكن متخفّفة من البلاغة غير المجدية، يومية من دون أن تكون رخوة وركيكة. مكتوبة أحياناً على سطور كاملة، لكنها خالية من الاستطرادات المضجرة.
في المقابل، ظل صاحب «محفوفاً بأرخبيلات» مأسوراً بالمذاق الحلمي للسريالية، وهو ما أخَّر قصيدته عن معانقة المعاني الواقعية والملموسة. استطاب الإقامة في اللغة المفتونة بنفسها. انشغل بزحزحة الدلالات المعجمية، وأهمل تمريغ هذه الدلالات بوحل الكلام اليومي. في مجموعته الثالثة «راية الهواء»، نقرأ: «طريقكِ إليّ مموهةٌ بآثار مرح الفهود، لكنك تتقدمين. والمسافة التي بيننا، بلمسةٍ من أكفّ النسيم، تصير نهراً ميتاً. أما الغرقى فيه فأحياء، وإن أحدُهُم أُنشبت في عنقه الأظافرُ المدببة التي من فيروز، فسرعان ما يُلفظ إلى أقرب ضفة. والكراكي هي التي ستمضي به لتدفنه في أجمل نجمة. هل قلت لك إني أنا نفسي كنت نهراً ميتاً، ثم جاءت تماسيح تقية، توضّأن بدموعهن وأقمن عليّ صلاة الغائب، فوثبتُ بقوة، في هيئتي الآدمية هاته، وحملتني ساقاي بأقصى سرعة إلى هذه المدينة، حيث أُوجد في انتظارك».
سننتظر مجموعته الرابعة «فراشة من هيدروجين» كي تتخفف قصيدته من كثافتها المتحفزة، وتقترب بسلاسة أكثر من حواس القارئ. في «ظهيرة»، أولى قصائد المجموعة، كتب الشاعر: «كنتُ على وشك الغرق/ في البحر البسيط/ حين أنقذني بحارةٌ عروضيون/ هكذا بقيت على الرمال/ ملفوفاً في بُغام الظهيرة/ التي تنبجس منه نمورٌ وديعة/ لقد حُكم عليّ بالتسكع/ فبيتي الشعري قد جرفته الأمواج/ وعليّ بمساعدة نموري/ أن أبنيه ثانيةً». لا تزال الرؤية الجوانية والحلمية حاضرة، لكنها متخلصة من بعض خشونتها لمصلحة رشاقة محببة وضرورية: «رجلٌ مفتول العضلات/ يستطيع أن يلاكم الزبد/ مع هذا، جِدُّ رقيق/ رأى يدي الفجر تُقطعان/ فأجهش بالبكاء/ ومن دموعه/ تكوّنت اليدان مجدداً».
في مجموعته الجديدة «رجل يبتسم للعصافير» (دار الجمل)، لا يتخلى وسّاط عن الرشاقة التي حصّلها حديثاً، لكنه يمزجها مع ميله المتأصل إلى السريالية والسرد. تحتوي المجموعة على نصوص أطول وأكثر نثرية مما عهدناه في منجزه الشعري. الشاعر الذي استهل باكورته بمقطع لرائد السريالية العربية جورج حنين، وابتكر صوراً مدهشة مثل: «قم لتكون حاضراً للاستقبال/ قال أبي/ ذلك أن أحد أسلافنا/ قد أبحر من ميناء الموتى»، لا يزال يحفر في الموضع ذاته.
صحيح أن جملته مسترخية من توترها وكثافتها، إلا أننا نتلقى المذاقات ذاتها. كأن الشاعر يكتب قصيدة واحدة. لا نتحدث هنا عن تشابه وتكرار بقدر ما نتحدث عن ترسيخ مناخات وعوالم: «منذ دهر، وصنارتي في الماء/ ولم أصطد سوى السأم/ لا أرى غير قوس قزحٍ ينزل/ وبإبرٍ ذهبيةٍ/ يطرّز حواشي الأمواج/ ولا أسمع سوى أنفي الذي يئزّ كنحلةٍ/ كلما أفرغتُ زقّي/ ثم خرج نديمي المساء من البحر/ وأقبل نحوي/ حاملاً طيّ أجفانه/ سمكاً كثيراً/ وفي كفيه/ محار طفولتي».




الترجمة ممارسة إضافيّة

في مجلة «مواقف» التي عرَّفته على مذاقات جديدة في الشعر العربي، نشر مبارك وساط قصائده. كان ذلك بحثاً عن منافذ بعيدة، ورغبةً في الحصول على هوية شعرية أوسع. هكذا، ترافقت الكتابة مع الإصغاء إلى ما يأتي من الخارج. القراءة بالفرنسية كانت جزءاً من تلك الممارسة. قرأ وسّاط السريالية بلغتها الأصلية، وترجم أشعاراً لعرّابها أندريه بروتون. ثم تحولت الترجمة إلى ممارسة إضافية تعزز علاقة الشاعر بقصيدته وبفضاء الشعر عموماً. توالت ترجماته المميزة لفرناندو بيسوا ورينيه شار وسنغور، فضلاً عن ترجماته لمغاربة كتبوا بالفرنسية: عبد اللطيف اللعبي، الطاهر بن جلون، محمد خير الدين. والأخير أسهم في ترجمة مختارات لوسّاط إلى لغة موليير بعنوان Un éclair dans une forêt (برق في غابة).