خلال عقد كامل، انقطع صاحب «نهاية العالم الآن» («السعفة الذهبية» ـــــ 1979) عن السينما. لم يقدّم جديداً منذ الفشل التجاري المدوّي لرائعته «صانع المطر» (1997). لكن كوبولا عاد لينال الإجماع النقدي بفيلمه Tetro عام 2009، مثبتاً أنّه استعاد عافيته، وعاد إلى قمة عطائه.

لهذا، من المرتقب أن يكون العرض الأول لجديده Twixt في «مهرجان تورونتو» حدثاً سينمائياً بارزاً. ستكون هذه فرصة جديدة ليبرهن صاحب ثلاثية «العراب» أنّه يستحق ـــــ عن جدارة ـــــ لقب «نابليون السينما». يعود كوبولا في شريطه الجديد إلى عادته الأثيرة في المزاوجة بين النفس التجريبي لسينما المؤلف التي يعدُّ أحد أبرز رموزها، وبين الرؤية الإخراجية المبهرة العابقة بالجموح والبهرجة أو حتّى «جنون العظمة»، كما يقول منتقدوه.
قصة الفيلم مستوحاة من عوالم إدغار ألن بو. يظهر طيف الأديب الأميركي الشهير بانتظام في الفيلم (يتقمص دوره بن شابلن) ليطارد بطل القصة هال بالتيمور (فال كيلمر)، وهو كاتب متخصص في روايات الرعب. يعاني البطل من الملل والاكتئاب ونضوب الإلهام الفني، إلى أن يحلّ ببلدة سالم، ضمن جولة يقوم بها على المدن الأميركية للترويج لكتابه. تدور أحداث الفيلم خلال القرن السابع عشر، وفيها إحالة رمزية إلى حملة «صيد الساحرات» الشهيرة التي خلّدها آرثر ميلر في مسرحيته «محرقة ساحرات سالم». يتزامن وصول الكاتب إلى سالم مع جريمة غامضة تستعصي على الحلّ، فتستعين به سلطات البلدة أملاً في اكتشاف الجاني.
لا يلبث شبح الضحية في (تؤدي دورها إيل فانينغ) أن يطارد الكاتب المهووس حتى في أحلامه. وإذا بالواقع يتداخل مع الخيال، فيما تمّحي الحدود تدريجاً بين الحلم واليقظة. تتداخل كوابيس الكاتب المسكونة بشبح الضحية القتيلة، بالهواجس الإبداعية التي يتراءى له خلالها خيال إدغار ألن بو.
ولا تكمن فرادة الفيلم، فحسب، في الرؤية الإخراجية النابوليونية، وما تحمله من تلاعب بإحكام بالأزمنة والأحداث، في هذيان سردي، يمزج الواقع بالخيال، والحلم باليقظة. بل تأتي المفاجأة أيضاً، في استعارة كوبولا لأحدث التقنيات الإلكترونية من الخدع البصرية إلى التجسيم الثلاثي الأبعاد.
ولن يكتفي «نابليون السينما» بذلك، بل سيستعيد بعضاً من جنون شبابه، من خلال تحدِّ تقني غير مسبوق. قبل طرح الفيلم في الصالات العالمية، يعتزم أن يقوم بجولة ترويجية من نوع خاص تشمل ثلاثين مدينة أميركية. وينوي خلال تلك العروض استخدام تقنية متطورة، تتيح له تعديل مونتاج الفيلم مباشرة، ليطيل مشهداً أو يقصِّر آخر، وفقاً لردود فعل الجمهور الحاضر وتعليقاته!