الرباط | حين نزل فيلم «كازانغرا» لنور الدين الخماري إلى صالات المغرب في عام 2008، رآه بعضهم «طفرة» في تاريخ السينما المغربية.


فقد اعتمد على دفق من الجرأة، خصوصاً على مستوى الحوار القريب من لغة الشارع. نهاية العام الجاري، ستصل إلى الصالات المغربية ثلاثة أفلام تنبش أكثر في أرض الجرأة. ويتمثّل ذلك في المقاربة السينمائية لظواهر اجتماعية مغربية كالإسلاميين، والجنس، و«الحياة السرية» لرجال الأمن...
العمل الأول هو «موت للبيع» لفوزي بنسعيدي. صوّر الشريط في مدينة تطوان عام 2009، لكنّه سيعرض للمرة الأولى رسمياً في أيلول (سبتمبر) المقبل، خلال «مهرجان تورونتو». يحكي الفيلم قصة ثلاثة شبان يفكرون بسرقة متجر مجوهرات، قبل أن ينقلبوا بعضهم على البعض الآخر. الأول سيقع في حبّ بائعة هوى، والثاني سيسعى إلى الإتجار بالمخدرات، فيما سيحاول الثالث قتل صاحب المتجر المسيحي.
لا مكان للعبارات المنمّقة في «موت للبيع». نسمع سيلاً من الشتائم على لسان شباب يعيشون على الهامش، ويستهلكون الحشيش والكحول. شباب يشهرون عري أجسادهم أمام واقع «يحتاج من أجل إثبات الذات فيه... إلى الدم». «موت للبيع» لبنسعيدي رصدٌ واقعي لمصائر جيل من المغاربة، لا يجد خياراً أمامه إلّا الضياع.
إذا كان أبطال بنسعيدي سيتوجهون إلى الانحراف والسرقة، فإنّ «نجوم سيدي مومن» لنبيل عيوش سيتحوّلون إلى إرهابيين. فيلم نبيل عيوش مستوحىً من رواية للتشكيلي والروائي المغربي ماحي بنبين، تحمل العنوان نفسه. يغوص العمل في نفسيّة شباب تحوّلوا إلى قنابل بشرية، خلال الأحداث الإرهابية التي شهدتها الدار البيضاء عام 2003. يحكي عيوش عن ياشين، الشاب الذي يستعيد مجريات حياته وهو ميت.
سبق لهذا المخرج أن نزل إلى الحضيض في فيلمه المميّز «علي زاوا» (٢٠٠١) الذي يدور حول أطفال الشوارع في المغرب. ثم ذهب إلى مكان آخر في «كلّ ما تريده لولا» (2007) الذي أثار الكثير من الجدل. من أجل إنجاز عمله الجديد، لجأ إلى شيخ سلفي سبق أن حوكم بتهمة الإرهاب، هو محمد الفزّازي. عُدّ الأخير في مرحلة من المراحل، أحد أكثر المشايخ السلفيين تطرفاً، قبل أن يقدِم على مراجعات في السجن، ويفرج عنه بعفو ملكي. لجأ عيوش إلى الفزازي كمستشار فني، خصوصاً أن الشيخ السلفي كان على معرفة شخصية ببعض المتورّطين في أحداث الدار البيضاء. لا تخلو حوارات الشريط من الجرأة، خصوصاً أنّ السينما المغربيّة لم تتطرّق بعد إلى موضوع الجهاديين والاسلام الراديكالي.
وإذا كان فيلما عيوش وبنسعيدي يتحدثان عن مواطنين عاديين، فإن نور الدين الخماري اختار ضابطاً في الشرطة، ليكون بطلاً لفيلمه «الزيرو» (الصفر). المخرج الذي تلقّى تكوينه السينمائي في النرويج، يحافظ على «الواقعية» التي راكمها فيلمه السابق Casanegra. في شريطه الجديد يحكي عن ضابط يحاول إنقاذ مراهقة من عالم الدعارة. يحمل البطل لقب «الزيرو»، ويعيش جنون ليل الدار البيضاء. «يعكس السيناريو الوجه الحقيقي للمدينة، من دون الفولكلور الذي حاول بعض المنتجين الفرنسيين فرضه علي، مقابل الدعم المالي، لكنني رفضت»، يوضح الخماري. يشرّح فيلم «الزيرو» قساوة العيش في العاصمة الاقتصاديّة للمملكة، ويندرج ضمن ثلاثية يعمل عليها المخرج.
بعيداً عن الإنتاجات الضخمة، استطاع الثلاثي الخماري ـــــ عيوش ـــــ بنسعيدي، تحقيق خرق جدي في ميدان السينما المستقلّة، بإمكانات ضئيلة. لإنجاز شريطه المرتقب «نجوم سيدي مومن»، اعتمد عيوش على دعم قدّمته مؤسسة la cinéfondation التابعة لـ«مهرجان كان». المؤسسة نفسها دعمت فيلم «موت للبيع» لبنسعيدي، إضافةً إلى مساهمة من «المركز السينمائي المغربي». أمّا الخماري، فقد اعتمد في تمويل «الزيرو» على شركة إنتاج أسسها، إضافةً إلى دعم «المركز السينمائي المغربي». على أمل أن يكون ذلك تأكيداً على تجذّر السينما المستقلّة، على يد جيل جديد من المخرجين المغاربة.