القاهرة | عشرة أفلام فقط صنعت اسم علي بدرخان (1946) في السينما المصرية. وعشرة أعوام تقريباً مرت منذ دارت كاميرا بدرخان للمرة الأخيرة. كان ذلك في «الرغبة» (2002). عقد كامل لم يعمل فيه بدرخان في السينما، لكنه خاض انتخابات نقيب السينمائيين ثلاث مرات خسرها جميعاً. لا شك في أنّ السينما كانت تحتاج إلى بدرخان نقيباً، كذلك فإنّ الفن المصري في العهد الجديد يحتاج إلى فنان ينتمي إلى حرية الفن، بعدما ذهبت نقابتا الموسيقيين والممثلين إلى نجمين من التيار المحافظ. في القاهرة عنوان منزل بدرخان يشبهه كثيراً: «فيلا بدرخان ـــــ شارع استوديو الأهرام». المخرج الذي التحق بمعهد السينما بضغط من أبيه الرائد أحمد بدرخان، اختار دراسة الإخراج بدلاً من التصوير عكس رغبة والده. لكن الأب نفسه ساهم في حصول الابن على فرص باكرة استثمرها جيداً. وهنا لا نتحدّث عن الفرص السينمائية فحسب، بل العاطفية: أثناء عمل الابن مساعداً لأبيه في إخراج «نادية» (1969)، تعرف إلى بطلة الفيلم (النجمة) سعاد حسني. كأن الأب كان ينفذ مهمته الأخيرة؛ إذ رحل في العام نفسه، وهي السنة التي مات فيها والد «السندريلا». لكن الشابان تزوجا بصمت احتراماً لأحزان العائلتين.

11 عاماً من الزواج أثمرت ثلاثة أفلام هي «الحب الذي كان» (1973)، «الكرنك» (1975) و«شفيقة ومتولي» ف(1978)، لكن الانفصال بينهما (1980) لم يمنعهما من استمرار التعاون. قدما ثلاثة أفلام أخرى «أهل القمة» (1981)، و«الجوع» (1986) ثم «الراعي والنساء» (1991) وهو الأخير لسعاد.
لم تكن «السندريلا» القاسم المشترك الوحيد بين الأفلام الستة. هناك عنصر آخر: معظمها لم يحقق نجاحاً في شباك التذاكر. المؤكد أنّها لم تكن مشكلة النجمة المصرية! هل كان ذلك سبباً في خلق المشاكل بينهما؟ سعاد لم تتحدث عن ذلك، وبدرخان ينفي، لكن الحقائق كانت تتكلم: في السبعينيات، وأثناء زواجهما، حققت حسني أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية عبر فيلمين مع المخرج حسن الإمام، هما «أميرة حبي أنا»، و«خللي بالك من زوزو». عملان واجها هجوماً نقدياً عنيفاً، بل هجوماً من بدرخان نفسه. لكنهما صمدا مع الزمن كتجربتين محورهما حب الحياة، رغم أن السيناريو والحوار كان للمكتئب الأكبر صلاح جاهين!
على أي حال، التقى الثلاثي بدرخان وسعاد وجاهين في «شفيقة ومتولي». صنع بدرخان شريطاً استطاع استلهام أسطورة الحب الشعبية، وإن حوّلها إلى تجربة تتناول أوجاع الوطن. وكانت سعاد أيقونة التجربة، أغنيتها في العمل «بانوا بانوا» (كلمات جاهين وألحان كمال الطويل) تحولت إلى فيلم قائم بذاته. لم تكن تلك تجربة جاهين الوحيدة مع بدرخان، لكنها كانت المعلنة. في 2006، وبعد سنة على خسارته انتخابات نقيب السينمائيين أمام السيناريست ممدوح الليثي، فجّر بدرخان قنبلة حين أعلن أنّ فيلمه «الكرنك» لم يكتبه الليثي (كما كان معلناً)، بل صلاح جاهين. خبر استغرب الوسط إعلانه بعد أكثر من 30 عاماً على عرض الشريط، وخصوصاً أن الليثي بنى معظم مجده ـــــ وجوائزه ـــــ على «الكرنك». ويمكن القول إن الفضل الأساسي في النجاح (النقدي على الأقل) لفيلم «الكرنك» يعود إلى الرواية التي كتبها نجيب محفوظ بالعنوان نفسه، منتقداً دولة الاستخبارات الناصرية. ثم اقتبس بدرخان قصة أخرى لعميد الرواية العربية هي «أهل القمة» وحوّلها إلى فيلم بالعنوان نفسه. عدّه النقاد أهم شريط تناول تأثير الانفتاح، إلى أن قدم عاطف الطيب بعد سنتين تحفته «سواق الأوتوبيس» (1983).
بعدها، اقتبس بدرخان من محفوظ قصة ثالثة، فقدّم «الجوع» عن «ملحمة الحرافيش». هنا اشترك في السيناريو مع مصطفى محرم، وطارق الميرغني. لكن الثلاثي مع سعاد ومحمود عبد العزيز لم يحققوا النجاح في شباك التذاكر. شباك كان أشد قسوة في التجربة الأخيرة لسعاد وعلي في «الراعي والنساء». الفيلم كان مشروعاً مقترحاً بين بدرخان والسيناريست وحيد حامد. لكنهما اختلفا بعد كتابة الورق، فذهب حامد بأوراقه إلى المخرج خيري بشارة ليقدما معاً «رغبة متوحشة» من بطولة نادية الجندي ومحمود حميدة. بينما كتب بدرخان سيناريو جديداً بمشاركة محمد شرشر، وعصام علي، وبطولة يسرا، وأحمد زكي وبالطبع سعاد حسني. وقد بدت هذه الأخيرة على الشاشة ضعيفة واهنة. نزل الفيلمان إلى الصالات في العام نفسه. ومرة أخرى، نجح فيلم بشارة ـــــ حامد، بينما عجز فيلم بدرخان عن تحقيق إيرادات جيدة.
أفلامه التالية «الرجل الثالث»( 1995)، و«نزوة»( 1996) و«الرغبة»( 2002) لم تحقق حظاً أفضل، مع أن الأخير كان من بطولة «نجمة الجماهير» نادية الجندي. لم يقدم بدرخان جديداً منذ ذلك الحين سوى مغامراته الانتخابية، وبقي كما كان يصف نفسه دوماً «سينمائياً هاوياً».

«بصمات علي بدرخان»: 21:00 مساء اليوم على «الجزيرة الوثائقية»




بصمات على «الجزيرة»

تعرض قناة «الجزيرة الوثائقية» اليوم الجمعة (21:00 مساءً بتوقيت بيروت) فيلماً وثائقياً جديداً عن المخرج الكبير علي بدرخان بعنوان «بصمات علي بدرخان» (52 دقيقة). يعرض الشريط سيرة بدرخان، بدءاً من طفولته ودخوله الإخراج، وصولاً إلى تفرغه للنشاط النقابي. ويحل عدد من المخرجين والنقاد والنجوم ضيوفَ شرف على الشريط، أبرزهم توفيق صالح، ورفيق الصبان، وداوود عبد السيد، والشاعر أحمد فؤاد نجم، والممثلة يسرا. علماً بأنّ الفيلم من إنتاج معتز عبد الوهاب، وإخراج أحمد الهواري، صُوِّر بكاميرا five D، ويعرض للمرة الأولى أرشيفاً للنجوم لم يملكه سوى علي بدرخان نفسه. ويحتوى الأرشيف على عدد من النجوم، منهم شادية وصباح.