لا يقل لي أحد إنه لا يعرف أصل الدراما التلفزيونية السورية وفصلها، ولا سيما المنتجون، والمنتجون المنفذون، ونجوم التعهدات الدرامية من مشرفين عامين، وشركاء مضاربين، ومسوّقين بالقطعة أو على القطعة. الكل يعلم كيف قامت هذه الدراما، وأين بدأت، وعلامََ اعتمدت، وأيّ معارك خاضت، وفي أي سوق تنامت. وعليه لا يستطيع أي «لبيب» أن يدعي أنّ هناك مؤامرة على الدراما التلفزيونية من الناحية التسويقية. كما لا يمكن القول إنّ هناك مقاطعة مخصوصة ألمّت بنا كنتيجة للأحداث التي تجري في البلاد. وما النقيق والعويل إلا إشارة إلى الدولة كي تمد يد المساعدة والدعم إلى قطاع هي بالأساس لا تحتاج إلى منتجاته، لأسباب أقلها أنّ هذه الأعمال مصنوعة ومفصّلة على قياسات ثقافية مختلفة تماماً. لقد عانت الثقافة المحلية هذا «الإنتاج التقدمي الباهر» بطريقة جعلت النكوص والتراجع في الثقافة والذائقة تحصيلاً حاصلاً.

تسويقياً ومالياً، لم تبدأ الدراما التلفزيونية في مصر والشام، بل تأسست حرفياً وثقافياً وتجاربياً فيهما، وبدأت في بلاد الخليج منذ منتصف السبعينيات من القرن المنصرم. هناك، افتتحت محطات أرضية ملتهِمة للمادة التلفزيونية التي يمكن أن تتماشى مع الذهنية المجتمعية آنئذ، فأنشئت استديوهات «عجمان» و«أبو ظبي»، وجاءت الخبرات الاحترافية إليها لتنتج المسلسلات الدرامية المضبوطة رقابياً وثقافياً وتوزّعها على تلفزيونات العالم العربي، كنماذج جرى الأخذ بها مستقبلاً، وخصوصاً في ما يتعلق بحدود الممنوع والمسموح به شكلاً ومضموناً. ومع بداية الإنتاج في سوريا، التي رافقت بداية الفضائيات، كانت الصورة واضحة عن البضاعة التي تريدها المحطات. هكذا، اندفع السوريون يقدمون ما لديهم مع مراعاة الشروط التسويقية، لا بل بدأوا يتنازلون عن الشروط الإبداعية تباعاً. حتى التلفزيون السوري الذي كان تاريخياً أكثر جرأة على البنية الثقافية المحلية، أصبح هو الآخر في عداد المخلصين لهذه الشروط. لقد قدمت المهارات السورية الكثير من الأعمال المجددة في الشكل والمضمون، لكن تحت سقف الطلب، لا بل عدّت نفسها محظوظة وذكية في كثير من الأحيان لكونها استطاعت أن «تمرّق» بعض الطروحات الفكرية أو الفنية مداورة عن أعين الرقيب، لكن الأساس كان واحداً. في المجمل، كانت الأعمال تصنع بمنطق «التوصاية» مباشرةً أو مداورةً. ولعل المتابع المقارن بين الأعمال السورية، يستطيع رؤية الخط البياني للانحدار الفكري والإبداعي لهذه الأعمال رغم الارتقاء المهاري الذي بدت فيه بين السبعينيات والتسعينيات مثلاً. هذا الانحدار له مرتسم تسويقي، وخصوصاً بعد ربط التلفزة بالإعلان. البضاعة التي لا تستطيع إثبات ضرورتها، يمكن الاستغناء عنها أو شراؤها بأبخس الأثمان. وهو الذي حصل أكثر من مرة في المواسم الرمضانية. هنا تبدو الخلاصة: لقد جرى استئجار المهارات السورية واستخدامها لغاية ولادة سلعة أكثر حضوراً وتأثيراً في السوق. وهذا أمر يعلمه الجميع، ولا أحد يستطيع ادعاء تجاهله. وقد اعترف به بكلّ وضوح كثير من المنتجين والمهتمين في هاتيك البلاد. ومع هذا، جرت متابعة الأعمال على الوتيرة ذاتها، وبالذهنية التجارية الأنانية نفسها، إذ يمكن أيَّ منتج ذا «علاقات» عامة جداً أن يحصد مئة أو مئتي مليون خلال سنوات ويخرج من السوق وليذهب أبو خليل القباني وفنه الى الجحيم! يمكننا رصد عملية إنتاجية بدائية ومهلهلة استفادت من عمومية التلفزة، لكنها في الواقع وكقطاع صناعي واهية الى درجة الخديعة.
لم تأخذ الدراما التلفزيونية السورية مسألة التنافس على مستوى الضرورة. كانت تذهب دوماً الى الدروب السهلة غير الممتنعة. لذلك، حافظت على نوع واحد من الإنتاج الذي يتمثل في المسلسل التلفزيوني ذي الثلاثين حلقة ضمن تسلسل إنتاجي وتسويقي بلا مهارات، من دون أن تلتفت الى فضاء التلفزة الواسع. مثلاً، كيف لعاصمة درامية بهذا المستوى أن تقوى على البقاء بعيدة عن سوق الإعلانات من دون أن تتأثر، إلا إذا لم تكن عاصمة درامية بقدر ما هي سوق تأجير مهارات درامية، أو ورش عمل تقوم بالتصنيع بالقطعة بما يشبه سوق العباءات «العبي»؟ وبما أن التصنيع على مسؤولية المشتري، فليست هناك ضرورة لدراسة الأسواق وواقعها ولا مستقبلها ولا معرفة الضروري إبداعياً لتقديمه بناءً على فكرة التنافس هذه. ولعل تجربة الدبلجة عن التركي تعطينا صورة واضحة. الأعمال التركية ذات السقف العالي رقابياً، استطاعت أن تنافس (وتزيح) أعمالاً عربية، فملأت الفراغ الإبداعي الذي يحتاج الى تنافس وثقة بالنفس وإخلاص ومعرفة بالمهنة أو الصناعة المفترضة. والمسألة بسيطة: الأعمال التركية فيها حب مثلاً، والحب على هذه الشاكلة يعتقد صنّاع الدراما العربية أنه خادش للحياء العام، أو على الأقل ليس من تقاليدنا، لكن تجربة الدبلجة عن التركية (مع كل الحذوف والمنتجة) أثبتت أن المجتمع في حاجة أكيدة إلى تلمّس كل أنواع الحب المتوافرة حتى لو «خدشت» الحياء العام.
أما التنويع في الإنتاج التلفزيوني، فله حكاية معرفية أخرى. التلفزة بطبعها متنوعة لا تحتمل استهلاك نوع واحد من الفنون، فكيف وقد حصر السوريون أنفسهم في زاوية المسلسل المحتشم ذي الثلاثين حلقة؟ أوَ ليس هناك برامج فنية وإبداعية وترفيهية وعلمية؟ أليست هناك أفلام وثائقية وكلها تحتاج إليها القنوات؟ وهي أيضاً مساوية ـــــ من ناحية القيمة ـــــ للعمل التمثيلي الدرامي، تمثل الجزء المكمّل للحقيبة التلفزيونية التي يمكن تسويقها وحصد الأرباح من أجل إعادة الإنتاج والربح، لكن «شركات» الإنتاج السورية دكاكين لا تمثّّل قطاعاً إنتاجياً أفرزه المجتمع، وبالتالي تقوم بعمليات تكرارية أبعد ما تكون عن مفهوم الفن واستثماره.
الفن سلعة و«بضاعة» استراتيجية ثمينة، لا يمكن التعامل معها إلا من هذا المنطلق، وإلا لاستطاع أي كان أن ينتجها، وهذا ما حصل ويحصل الآن، كما يستطيع أيّ كان الاستغناء عنها، فلو مرّ موسم رمضان المقبل من دون أي مسلسل سوري، فما الذي يمكن أن يحصل؟
إن كان هناك من سبب منطقي لرفض المسلسل السوري، فهو لأنه لم يعد ضرورة، فلا إعلانات تدعمه، ولا محطات محلية متنافسة قد تتبناه، ولا هو ينافس الآخر بالجودة الفنية والإبداعية، وليس له تأثيرات ثقافية فائقة يضج بها العالم العربي، بل على العكس، هناك دراما تهين الفن برمته وتحتقره. هناك دراما ضد الدراما، وليست هناك من حقيبة منوعة ترافقه الى الأسواق، ولا دراسة للأسواق ومستقبلها تستكشف متطلبات مرحلة قادمة، والنجوم الذين أنتجتهم هذه الدراما، أُنتج مقابلهم العشرات. وليس هناك من تنافس شريف يمكن أن يحكم المنتجين، فقولوا لي بالله عليكم: أي مؤامرة يمكن أن تصنع بهذه الدراما التلفزيونية أو هذا القطاع الصناعي ما فعلته هي بنفسها؟

* سيناريست سوري




السراب

يسجّل الموسم الدرامي السوري هذا العام تعاوناً جديداً بين الكاتبين حسن سامي يوسف ونجيب نصير في مسلسل «السراب»، الذي يخرجه مروان بركات ويعرض في رمضان (السومرية ـــــ «الفضائية السورية»). العمل يلقي الضوء على ثلاث شرائح من المجتمع السوري أولاها الطبقة الغنية، ثم سكان دمشق القديمة، لتجنح الأحداث نحو العشوائيات.