لدمشق حكاية مختلفة عندما نطلّ عليها من بيت رشا شربتجي. معالم المدينة واضحة من وراء الجدار الزجاجي. لكلّ شارع ذكرى مرتبطة بمخيّلة المخرجة السورية التي تطيل التأمل يومياً من صالون منزلها في مدينتها المفضّلة. أضواء العاصمة تبشّر بأنها لا تزال بخير، فيما تشير إلى قبة المسجد الأموي بصمت ممزوج بالحنين الدائم إلى دمشق القديمة حولها. تختصر ساحة الميسات أمام المبنى، الذي تسكن فيه، الكثير من التفاصيل التاريخية لأقدم مدن العالم. في هذه الساحة، يركن أحد الأولياء الصالحين، في مزار ما يزال على حاله منذ سنين طويلة، بينما تذكّر الحدائق الخضراء بأطلال غوطة دمشق، وتنذر غيمة الدخان الأسود، التي تبدو واضحة فوق المدينة، بخطر التلوث الذي تسير إليه عاصمة الأمويين.

كل ذلك بعيداً عن هدوء شوارعها الحذر الذي يبدو كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. هكذا كانت رشا تقضي الأيام الماضية في إجازة طويلة، بعدما تأجل تصوير مسلسلها «حياة مالحة» إلى أول شهر رمضان. معظم وقتها تقضيه في منزلها برفقة زوجها المصور التلفزيوني المعروف ناصر ركا، ومجموعة من الأصدقاء الحاضرين باستمرار، وعلى رأسهم الممثلة الشابة رنا شميس. «الأصدقاء هم خبزي اليومي. من دونهم لا أستطيع العيش». على عجل، وقبل أن تحزم أمتعتها للسفر إلى مصر لقضاء إجازة، إلى جانب والدتها، قررت المخرجة الشابة أن تعطينا الوقت الذي نريده، حتى نركب معاً حافلة الذكريات ونبحر عكس الزمن.
عندما ولدت في دمشق، قطع والدها المخرج القدير هشام شربتجي البث في الإذاعة السورية حيث كان يعمل، وأخبر المستمعين بقدوم ابنته، وبارك لنفسه على الهواء فتعرّض لملامة الإدارة! لكن طفولتها ارتبطت بأمّ الدنيا منذ انفصال والديها وهي في الرابعة، فسافرت مع والدتها إلى مصر: «ولدت نتيجة منطقية لقصة حب بدأت عندما سافر والدي إلى مصر ليدرس. لكن القدر لم يكتب لهما الاستمرار». هناك، عاشت أجمل أيام حياتها في منزل ريفي محيط بأشجار مثمرة، وطبيعة خلابة أغنت مخيلتها البصرية منذ سن باكرة.
مع والدتها، مهندسة الديكور الشهيرة نيّرة ثابت زاده، وجديها، نسجت الطفلة تفاصيل حياتية وزعتها بين الطبيعة الساحرة والأهرامات التي كانت تراها من شرفة بيتهم، وبين القراءة لأعمدة الأدب العربي، ذاك الوقت، من نجيب محفوظ إلى إحسان عبد القدوس وتوفيق الحكيم. وعلى الشاشة، عشقت الفنان محمود مرسي وتعرفت إليه عن قرب لأنه كان صديق والدتها. هذه الأخيرة كانت عرابة لحظات مميزة في ذاكرة رشا التي كانت ترافقها على دراجتها الهوائية إلى «استديو مصر» الذي كانت تعمل فيه، إلى أن تسلمت إدارته. هناك، كانت تتعرف إلى أزياء أهم النجوم مثل فاتن حمامة، وصباح، ويوسف وهبي وديكورات أهم الأعمال الفنية.
مرت الأيام واصطحبت رشا فريق عملها إلى الاستديو ذاته. وعند دخولها، التف حولها الموظفون ومنفذو الديكور الذين كانوا في بداياتهم يعملون مع والدتها ليحتفوا بالطفلة الصغيرة التي أصبحت مخرجة معروفة. يومها، أدركت أنها قدمت هدية لوالدتها التي دخلت ببطء مكان التصوير بسبب ظرفها الصحي على وقع دموع الحاضرين، ومنهم النجم يحيى الفخراني.
الأوقات التي أمضتها برفقة والدتها، في مكان عملها، كانت جزءاً من لاوعيها. أرادت في البداية أن تدرس هندسة الديكور. وبالفعل، تجاوزت امتحان القبول لدراسة هذا الاختصاص. لكن يومها، لم تكن قد حصلت على الجنسية المصرية، فحالت التكاليف العالية المفروضة على الطلبة العرب دون دراستها، فاختارت دراسة علم نفس الطفل. عندما نالت شهادتها، قالت لها والدتها «الآن صار بوسعك أن تفعلي ما تشائين وأن تسافري إلى حيث تريدين».
غادرت رشا مصر للمرة الأولى بعدما كانت والدتها تمنع على أبنائها السفر قبل نيلهم شهاداتهم الجامعية. ورغم أنها ابنة مخرج معروف ومهندسة ديكور محترفة، إلا أنها اختارت في دراستها أن تكون قرب الطفل. حتى إنها قدّمت برنامجاً يخص الطفل على إحدى القنوات المصرية إلى جانب التقديم الإذاعي. ثم تخصّصت في دراسة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وقدمت أبحاثاً عن إمكان استفادة المجتمع من هؤلاء. بعد تخرجها، كان سهلاً عليها أن تجد فرصة عمل ضمن اختصاصها في دبي، حيث كانت تصمّم الوسائل التعليمية التي تستخدم في مدارس الأطفال.
خلال زيارة إلى دمشق، قبل العودة إلى مصر لإكمال دراستها، أقنعها والدها بمرافقته إلى التصوير: «عندها اكتشفت متعة هذا العمل». هكذا جاءت الفرصة على طبق من ذهب. عملت مع أبيها في الكوميديا السورية وتتلمذت على يديه لتتدرج بالعمل من مساعدة مخرج إلى مخرجة منفذة. ثم ساعدتها الممثلة مها المصري على التواصل مع إحدى شركات الإنتاج لتنجز مسلسلها الكوميدي الأول «قانون ولكن» الذي أدّى بطولته النجم بسام كوسا.
كمعظم البنات، أحبّت رشا ابن الجيران وهي مراهقة. ثم عشقت الفنان المصري الراحل أحمد زكي، وكانت تتابع أفلامه بشغف العاشقة. عندما انتقلت للعيش في سوريا، أحست كأنها تعيش في مدينة صغيرة، حيث كل الناس يعرفون بعضهم بعضاً، مقارنةً بالقاهرة. وعلى رغم أنّها فتاة صلبة وقوية، إلا أنّ السنين الأخيرة زادتها هشاشةً، وصارت تبكي حتى في أبسط المواقف: «منذ فترة، عندما أطلت سلافة معمار لتتسلّم جائزة الـ«موريكس» (عن دورها في مسلسل «زمن العار» لرشا) وشكرتني، لم أستطع يومها منع دموعي من الانهمار».
منذ سنوات ومسلسلات شربتجي تحقق جماهيرية كاسحة، وتخلق جدلاً، وتعاني أيضاً من مقص الرقيب : من «غزلان في غابة الذئاب» (2006) إلى «زمن العار» (2009)، وصولاً إلى «تخت شرقي» العام الماضي. لكنها تحتفظ من المهنة بالجانب الجميل، إذ تتذكّر مثلاً بحماسة، كيف كانت تراقب الناس وهم يتابعون مسلسلاتها الأولى وتلمس قبولهم لها.
أثناء تصوير أعمالها، ارتاحت لمدير الإضاءة والتصوير ناصر ركا وصار شريكها الدائم في العمل. لكن بعد فترة، أخذ الارتياح شكلا جديداً «عشنا قصة حب حقيقية، قبل أن نقرر الزواج. لكننا نفصل كلياً علاقتنا الأسرية عن علاقة الشراكة في العمل».
بعد توقيعها على بيان أطفال درعا الشهير، قوبلت المخرجة الشابة بوابل من الاتهامات. تختصر اليوم كل ما جرى معها بوصفه تحريفاً لموقف إنساني ووطني: «تاريخ انعقاد اللقاء التشاوري للمعارضة هو تاريخ سيبقى في الذاكرة، لأنه بداية جديدة آمل أن تأخذ البلاد إلى الخير».
في هذا الموسم، أنهت رشا مسلسل «الولادة من الخاصرة» للكاتب سامر رضوان. وتستعد مع بداية شهر رمضان لبدء تصوير مسلسل «حياة مالحة» الذي كتبه فؤاد حميرة. وكما استقبلتنا رشا بالحفاوة المخصصة لأعزّ الأصدقاء، كذلك رافقتنا إلى باب شقتها مع زوجها. كانت تبدو عليها علامات الارتياح، لقد صار بوسعها الآن أن تلحق بموعد الطائرة إلتي ستقلّها إلى مدينتها الثانية: القاهرة.




5 تواريخ

1972
الولادة في دمشق

1993
تخرّجت من كليّة التربية في «جامعة القاهرة»

2002
أخرجت أول مسلسل لها «قانون ولكن»

2009
حقّق مسلسلها «زمن العار» نجاحاً كبيراً وفاز بجائزة «أدونيا» كأفضل عمل متكامل. وكانت قد قدّمت قبل ثلاثة أعوام «غزلان في غابة الذئاب» الذي أثار ضجة كبيرة

2011
أنهت «الولادة من الخاصرة» وتستعدّ لتصوير مسلسل «حياة مالحة»