مذكّراتها تستعيد تسعينيات الجزائر الدموية

الحرب الأهلية لم تنتهِ بعد والجرح لم يندمل. الجزائر ما زالت تتخبط في بقايا كوابيس الدّم والقتل والمجازر الجماعيّة. رغم محاولات السلطة السياسية تناسي وقائع سنوات الجمر، وسعيها إلى طيّ صفحة الأزمة من خلال تبني سياسة «المصالحة الوطنية»، ترفض الكاتبة والمناضلة النسوية الجزائرية أسماء قنيفي الخيار الرسمي للسلطة. إنّها تعيدنا، في كتابها المثير للجدل «لن أغفر لقتلة أخي» («ريفنوف»، باريس)، إلى بشاعة يوميات جزائر التسعينيات، حين كانت الجماعات الإسلاموية تفرض القانون في الأحياء الشعبيّة للعاصمة الجزائريّة.
بين تعلّقها بالشاب حسني، ملك الراي العاطفي، الذي لقي مصرعه على أيدي إحدى الجماعات الإرهابية (1994)، وتطلّعها إلى أن تكون تشكيلية معروفة، عاشت المؤلفة سنوات المراهقة في الحيّ الشعبي باش جراح، الواقع في إحدى ضواحي الجزائر العاصمة. هناك، رفضت قنيفي ارتداء الحجاب والتقلد بزميلاتها في الثانوية. ورفضت الاستجابة لنداءات الجماعات المتطرّفة وتهديداتها، وتحدّت منطق التّخويف وحافظت على خيارتها العلمانية.
تحكي: «ذات صباح، بينما كنت في البيت أستمع إلى الشاب حسني، دقّ جرس الباب. فتحت فوجدت نفسي في مواجهة امرأة في جلباب أسود. لا يظهر منها شيء سوى فتحة صغيرة تكشف عن عينيها. أخبرتني عن نيتها تنظيم حلقة إرشاد وتوعية لصالح فتيات العمارة، وأمرتني بحضورها. لا أحد يعرف كيف جاءت تلك المرأة. قررت عدم حضور الحلقة. في صباح اليوم الموالي، فوجئت برؤية بنات العمارة كلهن يرتدين الحجاب». منطق الترغيب والترهيب كان إحدى السياسات التي تنتهجها الجماعات الإسلاموية. تواصل أسماء قنيفي سرد يوميّاتها بالأحمر والأسود، وتكشف كيف تحوّل شباب الحي، الذين كانوا يغازلونها، من شباب واع ومتطلع إلى عالم أرحب، إلى جنود في صفوف الجماعات الإرهابية.
بحكم انتمائها إلى عائلة يسارية التوجه، عايشت المؤلفة الكثير من المواقف الصعبة والمضايقات. تعيدنا في كتابها إلى تتبع الجماعات المتطرفة المسلحة لتحركات والديها، ومراقبتهما طوال النهار، كما تفرد فصلاً مهماً لاستعادة وقائع إحدى الليالي، حين وقعت في حيّهم مشادات دامية بين الجيش الجزائري، وأفراد إحدى الجماعات الإرهابية.
رغم تزايد مدّ العنف ويوميات القتل والتذبيح، بقيت المؤلفة وأفراد عائلتها متشبثين بخيار البقاء والمواجهة. واصلوا العيش في حي باش الجراح، قبل أن تضربهم الفاجعة التي ستغير حياتهم، أي اغتيال شقيقها الأكبر هشام (1994). «كنت أتسلق أدراج العمارة حين سمعت فجأة طلقات نارية. لقد قتلوا أخي. شعرت بذلك. لست أعرف كيف تيقّنت حينها أنّ الضحية هو أخي. نزلت الأدراج. نظرت إلى الحيّ. كان خالياً سوى من جثّة أخي ممدّدة على الأرض، بسرواله الأسود وقميصه الأزرق الدّاكن. القتلة الأربعة فرّوا بسلام بعد إطلاق نار كثيف في الهواء». هذا المنعطف التراجيدي دفع بالكاتبة وعائلتها إلى مغادرة الجزائر، والاستقرار في فرنسا منتصف التّسعينيات.
أسماء قنيفي التي تمثّل أحد الوجوه النضالية النسوية الجزائرية الجديدة توقّع نصاً مفعماً بالغضب والحنين. ترفع نبرة خطابها في مواجهة الأصولية، وتحمّل الإسلامويين دم أكثر من 200 ألف جزائري في التسعينيات. «لن أغفر لقتلة أخي» شهادة من قلب المأساة، يحكي تجربة فردية، ويقدم شهادة شخصية، لكنّهما تختزلان معاناة شعب كامل، عانى ويلات الحرب الأهلية في جزائر التسعينيات.