في مجموعته السادسة «حريق» (دار الجمل)، وهي السادسة له بعد «يرتكب التفكير لاحقاً» (1993) و«صعادات» (1997) و«عائلتي» (2000) و«تبدو» (2002) و«نهارات ليلية» (2003)، يواصل جمال علي الحلاق (1966) إمداد قصيدته بمذاقات فكرية. العدة النقدية لا تنقص الشاعر العراقي الذي خلط الشعر بطموحات تنظيرية توّجها بتوقيع بيان «الرؤيا الآن/ كشفٌ في سمات الشعرية الأحدث» مع زميله فرج الحطاب.

حمل البيان وجهة نظر مجموعة موهوبة من التسعينيين الذين ظهرت تجاربهم عقب حربين مدمرتين وحصار دولي ونظام ديكتاتوري، ولم تحظَ أصواتهم بالوصول إلينا كجيل متماسك. تشبّعت نصوص هؤلاء بمناخات الغضب والتمزق والانكسار والسوداوية، وترافق ذلك مع سعيهم إلى الاختلاف عمن سبقهم. يظهر ذلك بقوة في تجربة الحلاق التي تحولت فيها هذه المناخات إلى مزاج شخصي وفكري، وأدى ذلك إلى صعوبة تخليص الشعر من حاضنه القلِق والمأزوم.
هكذا، يتجاور شعرٌ عالي الجودة مع تأملات وخلاصات فكرية (قد) تُفسد صفاءه، فنقرأ مقطعاً مدهشاً مثل: «ليس دمعاً ما يسقط/ إنها سنواتٌ/ أحاول إرجاعها/ إلى العين»، بجوار مقطع خالٍ من الشعر: «أحسّ أن الكلمة خارج نطاق التاريخ/ خارج اللحظة الراهنة/ فقدت مبرِّرها». هناك نضج واضح في المعجم والخيال وزاوية النظر إلى العالم، لكن الشاعر الذي «تلةُ المعنى بيتهُ»، ويفكر بـ«الجلوس تحت كلمة/ والضحك/ على قصيري الحواس»، و«بسنارته/ جالسٌ على ضفة العالم/ يصطاد سمكةً/ يقبِّلها/ ثم/ يلقيها في الماء»، لا يكف عن بث خلاصاته. بالمقابل، لا يمكن لوم الشاعر كثيراً.
هناك اشتباك شبه قدري مع واقع تراجيدي لا يمكن اجتثاث آثاره من الكتابة التي يُطلب منها أن تتسع لـ«ترف» الشعر و«ضرورة» الواقع. النضج البادي في المجموعة يجعل الضرورة جزءاً كيانياً من جسم الكتابة، إضافة إلى احتمال تسرُّب الممارسات النقدية والصحافية للشاعر إلى قصائده. كأن السطور التي تعلو فيها الفكرة على حساب الشعرية وسيلة أخرى لترجمة معاناة الشاعر من التمزق الحياتي والشعري الذي دفعه في النهاية إلى مغادرة العراق واللجوء إلى أستراليا.
بهذا المعنى، قد يتقبل بعض القراء ذلك بوصفه شجناً أو غضباً ملازماً لنبرة الشاعر الذي يتساءل في تقريرية فجة: «هل تعلمين معنى أن يقع الفردُ/ في ذاته»، لكنه يحلق بلغة شفافة وثرية في خاتمة المجموعة: «أخرجُ إلى الحياة/ في جيبي/ حبة قمحٍ/ كي أصطاد الطبيعة».