حين نتأمل لوحاته المعروضة في «غاليري أجيال»، سنعرف لِمَ يتحدث ناصر السومي (1948) عن شغله كما يتحدث الكتّاب عن نصوصهم، والمفكرون عن نظرياتهم. هناك فكرة أوسع وأكثر تعقيداً تقف وراء أعماله. معرضه البيروتي مثالٌ على أن المتلقي مطالبٌ بما هو أكثر من تكوين انطباع أولي أو جاهز. تحت عنوان NEBULA (سديم)، يعرض السومي 12 لوحة منجزة بمواد مختلفة. الأكريليك القليل الحضور مخلوط بالتراب والرماد والكلس، من أجل تقديم ترجمة أفضل لفكرة المعرض المتصلة بنشوء الكون.

الضربات اللونية هنا أقرب إلى رشقات سريعة، ذاهبة إلى صنع حركة تماوجية، أو خلق تيار لوني داخل مساحة اللوحة. تدرجات اللون البني تطغى على الأسود والرمادي والأحمر والأبيض. نحس أن هواءً قوياً يهبّ من أطراف اللوحات، ويدفع نقاط اللون ولطخاته الصغيرة باتجاه ما، بينما يدفع هواءٌ آخر لطخات ونقاطاً أخرى باتجاه آخر. اللوحة، بهذا المعنى، مؤلفة من موجات أو تيارات متلاطمة تترجم فكرة السديم الكوني، أو نظرية الانفجار الكبير Big Bang التي تبنّاها علماء الفلك في تفسيرهم لنشوء الكون. التأليف المتماثل يسهّل علينا تخيّل مفردات صغرى يمكن إلصاقها للحصول على جدارية كونية. كأن اللوحة حصيلة انفجار تشكيلي هذه المرة.
المذاق الترابي المنجز بتقنية التنقيط والرشق يُشعرنا أيضاً بأن ما نراه صورٌ أرسلتها مركبات فضائية لسطح كوكب مجهول بهدف دراسة احتمالات الحياة عليه. هكذا، تتوارى اللوحات خلف أفكار فيزيائية وفلكية، ويشعر الزائر بأنه مطالب بوضع ذائقته التشكيلية جانباً، والاستسلام لفكرة المعرض التي تقترح عليه أن ينضم إلى حركة الغبار في اللوحات.
تخرّج الفنان الفلسطيني في قسم الحفر في كلية الفنون في دمشق (1971 ـــــ 1977) )، وانتقل إلى بيروت التي قدم فيها معرضه الفردي الأول (1979)، ثم سافر إلى باريس لإكمال دراساته العليا (1980ـــــ 1982)، ولا يزال يعيش فيها حتى اليوم. لم يحصر السومي نفسه داخل الحدود التقليدية لفن الرسم عموماً، أو الحفر خصوصاً. كأن الرسم كان مفتاحاً لتجاربه المتعددة المحكومة بمزاج مرحلي إذا جاز التعبير. «التقنية هي مسألة عابرة وهامشية في شغلي» يقول الرسام الذي تنقل بين تعبيرية الحفر، والتشخيص الموارب، وتلقائية المونوتيب، والتجريد الغنائي والهندسي، قبل أن يرحِّل أفكاره إلى فضاءات التجهيز والتركيب.
منذ البداية كانت أعماله مدينة لتساؤلات وجودية، راحت تنمو وتنضج مع تقدمه في التجربة. بالتوازي والتداخل مع ذلك، عثر على معادلة موهوبة وراقية لهويته الفلسطينية. ابتعد عن الفن المباشر والتعبوي الذي كان مقبولاً وممتدحاً حينذاك. أنجز مشروع تخرجه تحت عنوان «شهادات من زمن تل الزعتر»، لكنه أخفى هذا العنوان الصارخ في طيّات محفوراته التي كتم فيها الصراخ مفضلاً إظهار الآلام والغضب فقط. الواقع أن الموضوع الفلسطيني حضر بطرق مختلفة في أغلب أعماله من دون أن يبتذل ذلك برموز وكليشيهات مكرورة. لم تكن الهوية هدفاً في أعماله، بل كانت جزءاً من مكونات هذه الأعمال.
ومع عودته أول مرة إلى فلسطين سنة 1993، تكثفت هذه الهوية، وظهرت شحناتها الدرامية والعاطفية في معرضه عن عكا، التي رسم معالمها الساحلية بقلم الرصاص. ثم وضعها خلف شباك خشبي قديم، التقطه من ورشة ترميم أحد خانات المدينة، وثبّت على جانبيه أوراقاً كان قد طلب من بعض السكان كتابة ما يرغبون فيه عليها، عن علاقتهم بالمكان. الحنين الذكي تجلى في عملين تجهيزيين آخرين: الأول هو «أيقونة يافا» الذي عُرض في عمّان أولاً، قبل أن يحصد الجائزة الأولى في بينالي القاهرة سنة 1996. والثاني هو «روح الشعب» (1997) المصنوع على نحو أساسي من 144 مكعباً من الصابون النابلسي، حُفر كلّ منها ووُضعت في داخله شمعة مشتعلة بزيت الزيتون.
ممارسات مشابهة ستظهر في لوحة بعنوان «عاصفة طبريا» التي يتمازج فيها اللون النيلي مع أحجار صغيرة مأخوذة من بقايا سور مدينة طبريا التاريخي. استخدم السومي مكونات محلية وتراثية، لعل أهمها «النيلة»، التي استخدمها أسلافه الكنعانيون. سيرافقه اللون النيلي في معارض لاحقة، ويتحول مشروعاً كاملاً حاز «ميدالية الأونيسكو» (2006)، وعُرض في الهند وسوريا تحت عنوان «ذاكرة النيلة»، وخلط فيه السومي التجهيز بالبرفورمانس والغناء. الخلطة ذاتها حضرت في مشاريع أخرى أهمها «أثر أفينيون» الذي قُدم كعرض تجهيزي وأدائي في ساحة الباباوات أثناء الدورة الـ 44 من «مهرجان أفينيون» الشهير جنوب فرنسا. تجربة ناصر السومي محكومة بهاجس التجريب الذي يظل على صلة بالواقع. بالنسبة إليه، الفن هو حركة مستمرة لأسئلة الكائن وحيرته، والممارسة الفنية هي استعادة أو تكرار أو تحسين لشروط الوجود. هكذا، تستجيب أعماله لهويتها البديهية وهوياتها المكتسبة في آن واحد، ويطالب المتلقي والناقد بالتركيز على الحساسية التي يفكر فيها الفنان بدل الاستطراد في وصف موضوع اللوحة. يستعيد قول عالم الفلك الكندي هوبرت ريفز: «نحن غبار هذا الكون»، وعبارة مأثورة من إنغلز: «الإنسان هو وعي الوجود لذاته». ثم يقول: «هذا ما أتى بي إلى الفن. لولا هذه الأسئلة لكنت أعمل في مهنة أخرى».

* «سديم»: حتى 23 تموز (يوليو) الحالي ـــــ «غاليري أجيال» (بيروت). للاستعلام: 01/345213