بغداد | بعد معرضه الأخير «محاضرة في علم الجمال» الذي احتضنته قاعة «مدارات» في بغداد، يستعدّ شداد عبد القهار (1960) لمعرض جديد سيقدّمه خلال شهرين في قطر كما يقول لنا. لطالما انشغل التشكيلي العراقي بالجسد في مختلف وضعياته: قلقاً وجذلاً وحزيناً وعارياً. في معرضه الأخير، رسم وجوهاً أنثويّة تتأمّل وتترقب وتنصت للعالم، وتدفع الناظر إلى التساؤل عن سر حزنها وفرحها في آن معاً.

«أن تقدّم المحظورات في إطار جماليّ هو مجرّد استعادة لموضوعة قديمة، ما دمنا منهمكين ومنشغلين في التجريد» يقول عبد القهار. ويضيف إنّ «ثيمة «جسد المرأة» تجسّدت ببساطة في العراق، رغم أنّها موجودة سابقاً في أعماله الفنيّة». الفنان الذي ينتمي إلى جيل الثمانينيات من التشكيليين العراقيين، يتضح تطلّعه إلى التجديد من الهامش الذي وضعه في متن الكراس التعريفيّ بمعرضه، وقد اقتبسه من صاحب روايات الإثارة والخيال دان براون. إذ كتب «العيش من دون إدراك العالم هو أشبه بالتجول في مكتبة عظيمة من دون لمس الكتب».
متابعة عبد القهار لما يجري على الساحة الفنيّة في أوروبا، جعلته أسير فكرة تقديم البورتريهات «المتداولة في العالم بقوّة» كما يقول، لكنّه يعرب عن خيبته من وصف بعضهم لمعرضه البغدادي بـ«الإيروتيكي». بينما لوحاته هي عودة الى «التشخيص» من خلال ثيمة ليست جديدة على أعماله وهي «الجسد الأنثويّ». إذ يرى أنّه «عالم من الجمال لا بدّ لنا من خوضه».
إضافةً إلى الخطوط، والألوان التي يستخدمها في لوحاته، وتوظيفه الذكي لفكرة الظل، يسعى شداد عبد القهار إلى إيجاد علاقة بين الوجه (نظرات العيون)، وحركة الجسم (الأجساد المستلقية والمتوجسة والمسكونة بخفوت الضوء). هذه العناصر جعلت بعض النقاد يحيلون شغله إلى المرحلة الثانية من مسيرة الروسيّ التعبيري ألكسي فون غافلينسكي (1864 ـــ 1941) التي اتسمت باستخدام الألوان على مساحات كبيرة من الوجه، لتحديد أبعاد الضوء على حساب الملامح.
«هذا المعرض يمثل صيغة متقدمة في الرسم العراقيّ المعاصر، وخصوصاً في الجوانب الأدائيّة والتقنيّة»، يقول الناقد التشكيليّ صلاح عباس. ولا ينسى الإشارة الى «أنّ الموضوع أخذ بعداً آخر عند شداد، عندما ركّز على البورتريه من خلال وضع المعاجين الكثيفة واستخدام الحذف، لأن الصورة تبدو مجرّدة من بعض سماتها التشخيصيّة». ويشير عباس إلى أنّ قيمة هذا الموضوع «تكمن في الحركات التعبيريّة للوجه الأنثويّ بلا تكلف أو تصنع، فتبدو اللوحة سهلة بسيطة من النظرة الأولى، لكنّها تتمتّع بعناصر القوّة التقنيّة والتعبيريّة معاً».
الأحداث المتتابعة التي شهدها العراق منذ عام 2003، شدّتْ انتباه عبد القهار بما فيها من تفصيلات الموت ومفارقات الحياة اليوميّة. يقول الناقد صلاح عباس: «اكتشفنا أنّ المرأة التي ينشد الفنان الوصول إليها، ليست أنثى بالمعنى الواقعيّ، وإنّما هي بغداد، لأنّ مرموزات المرأة ترتبط بمشكلات الوطن».
المزاوجة بين تجربتين، أي الرسم التشخيصيّ (البورتريه) وخلاصته الجماليّة (الاشتغال على الرموز والسطح التصويريّ وتنوّع الخامات)، يلخّصان معرض عبد القهار بحسب الناقد التشكيليّ جواد الزيدي: «كأنّما أراد أن يقدّم معرضاً استعاديّاً لمجمل اشتغالاته طوال تجربته التشكيليّة». لكنّه يؤكد أيضاً أنّ «جسد المرأة له مرموزاته في الثقافة العراقيّة، والثقافة البَصريّة خصوصاً، ومنها «الخصب والنماء». ويرى أن هذا الجسد «هو الملخّص والموجز والمعبّر عن الإنسان والحياة عموماً، وهو ارتداد لفكرة الألوهة الأنثويّة لدى العراقيّين القدماء». وهنا يرى الزيدي أنّ تعامل شداد عبد القهّار مع موضوعة جسد المرأة، جاء ليكون «تعبيراً عن الحياة العراقيّة بوقائعها وأحداثها، وبما تضجّ به من مشاعر: الفرح والحزن، الحبّ والموت، الرغبة والألم».