شكراً 8 يوليو. أهل الكهف في جنوب مصر يغنون، ينشدون الهتافات، يبنون الخيام، يسهرون في الميادين والشوارع. السقطة التاريخية تعمّقت وحان ردمها. لم يثوروا كما فعلوا في الأيام المريرة للثورة (حتى سقوط مبارك). الجنوبيون «الصعايدة» في التراث الشعبي المصري، أصحاب بأس وقوة، لكن الـ «الأبارتهايد» السياسي الذي مارسته الدولة المركزية من خلال عملائها المحليين (القبيلة والإفقار المنظم للوعي والحياة) جعل بأسهم شديداً بعضهم تجاه بعض (الثأر أهم من الحرية).

وحدها الثورة المضادة (فلول الحزب الوطني المنحل، القبيلة الانتهازية، والسلفيون والإخوان) هي التي أيقظتهم من سبات القرون. المواطنون الضحايا الذين ثاروا (بالمئات) ضد المحافظ القبطي في قنا، قبل شهرين، يعتصمون في المكان نفسه الآن بعشرات الآلاف. «الثورة هي الأهم»!
في رحاب المعابد الفرعونية في قنا والأقصر وأسوان وسوهاج وأسيوط، نصبوا خيامهم. كانوا جميعهم هنا: أقباط وشباب قبائل ونسوة وأطفال وصبية. رفعوا أصواتهم «مش هانمشي... ما تحاكَمشي». يقصدون طبعاً الرئيس المخلوع حسني مبارك. حناجرهم خرقت الستار الذي يتفرج من خلفه أعداء الثورة، فاختفت كومبارسات اليمين من المشهد.
لا يعرفون الإرهاق منذ أيام... أرهقهم التاريخ سنين كثيرة. يصيح الثوار في سوهاج: «اعتصام حتى يسقط النظام»، فترد عليهم الحشود في قنا وأسوان «وحياة دمك يا شهيد، ثورتنا عادت من جديد». على أرصفة ميدان المحافظة في أسيوط، يهتف الناس «الشعب يريد إسقاط المشير». الخيام تطعم الثوار «سندويشات» وترويهم ماءً زلالاً. المثقفون بادروا إلى إنشاء ائتلافات ثورية. الجماهير تؤيدها: «إسقاط حكم العسكر، وتحسين أحوال الصعيد وتحقيق مطالب الثورة».
في فترة الظهيرة، لا يعبأ الجنوبيون بارتفاع درجة الحرارة. لا تقل أعداد الحشود. الأغنيات من نبت المكان، محمد منير، ابن الجنوب حاضر بأغنياته: «حدوتة مصرية»، و«إزاي» و«اتحدى لياليك يا غروب». يعرفها الجميع عن ظهر قلب. قبل حلول المساء، تبدأ مسيراتهم في الشوارع «يا أهالينا ضموا علينا»، فيلبّون أو يخرجون لتحية السائرين «على خط مستقيم على ما يبدو».