ليس من العدل أن نختصر لفتة الوزير شربل نحاس تحت عنوان جزئي هو طابع فيروز. لقد بادر وزير الاتصالات السابق إلى إصدار تسعة طوابع صمّمتها هبة مكداشي، لشخصيات ومؤسسات لبنانية «علّمت» في الوعي الثقافي. وستطرح الوزارة في التداول مليوناً ونصف مليون نسخة من كلّ طابع من هذه المجموعة التي تكرّم فيروز وصباح ووديع الصافي وشوشو وسعيد عقل وفرقة «كركلا» ونبيه أبو الحسن، ومؤسستين هما «لبنان واضع الأبجدية» و«اللجنة العربية الدائمة للبريد».

بغض النظر عن الاستحقاق الأكيد لهؤلاء الكبار، فإنّ طابع فيروز كان رغبة تعتمل في المخيلة العامة منذ سنوات. ربما لذلك علق الخبر، تماماً كما تعلق لوحة في فراغ فوق حائط، بالضبط على قياسها. ذلك أنّ الفراغ مكانها كان مرئياً منذ زمن بعيد. فيروز تستأهل أكثر من طابع. إن لم يكن لكل ما قامت به فنياً، فلأسباب مادية مباشرة: إنّ طابعاً لفيروز لو صدر قبل سنوات قليلة، كان ليباع برأينا كما يباع الخبز، فزبائنه لن يكونوا فقط جامعي الطوابع الذين يبدون فئة مندثرة في لبنان، مرتبطة بذاك الزمن الذي كانت فيه المجلات الأسبوعية تنشر أبواب التعارف بين القراء. إلا أنّ الناس اليوم ما عادوا يكتبون المكاتيب، وبدلاً من «كتبنا وما كتبنا» أصبحت الأغاني تتحدث عن «ابعتلي إيميل وطمني».
مع ذلك، فالخبر ممتاز. هناك وزير وجد نفسه في المكان المناسب فقام بالمناسب، مع أنّ إنجاز الخطوة لا يبدو أنّه تم بخلو بال. بغض النظر عن المؤسستين المكرّمتين، يبدو جلياً أنّ مراعاة «التوازن» المذهبي أخذ وقته. هكذا يتنبّه المرء فجأة إلى أنّ «أخوت شاناي» رحمه الله، هو أخوت درزي، وأنّ «الشحرورة» ـــــ أمدّ الله بعمرها لترى كل خناقات الفنانات على تمثيل دورها في قصة حياتها ـــــ هي مارونية... وأنّ شوشو شيعي... هل هذا مأخذ على خطوة نحاس؟ نعم ولا. المواطن الذي يحب أن يتماهى مع هذا الوزير المنحاز إلى العدالة الاجتماعية، وضد الفساد بشكل صدامي (وهذا مديح له)، يرى أنّ التسوية على طريقة 6و6 مكرر لا تشبه نحاس، بقدر ما تشبه المناخ الذي عمل فيه. ربما فكّر نحاس أيضاً في أنّ العودة إلى الحكومة لن تتاح له، ولذلك أنجز «اللي كان بقلبو» بسرعة، إلى درجة أنّ المعنيين أنفسهم لم يعلموا بالموضوع إلا منذ أيام. وبعضهم لم يعرف أبداً. فيروز مثلاً في هولندا منذ الأسبوع الماضي. وهذا يعني أنه لا أحد تداول معها في اختيار صورة الطابع ولا في موعد التكريم اليوم.
على أي حال، تحية إلى الوزير شربل نحاس الذي ترك خلفه تركة أشبه بقالب حلوى، زيّنه قبل رحيله بهذه الكرزة التي سنظل نتذوقها كلما ألصقنا طابعاً على ظرف أبيض. كرزة بطعم فيروز.

* في مناسبة إصدار الطوابع، تقيم وزارتا الاتصالات والعمل احتفالاً عند الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم في مقر «وزارة الاتصالات» (وسط بيروت)