هل انتقل الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس من وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية إلى أرض الواقع؟ وهل يمكننا القول إنّ غزوة «سينما أفريكا آرت»، بروفة عن كيفية تعامل فئة جديدة صاعدة في تونس، مع الثقافة والفكر والإبداع مستقبلاً؟ لطالما كانت «سينما أفريقيا للفنون» ملجأً للمبدعين المستقلين في عهد بن علي... لكنّها لم تحظ بالحرية في زمن ما بعد الثورة. بعدما كانت عرضةً لضغوط الشرطة خلال العهد الآفل، صارت الآن ضحيّة رقابة من نوع آخر، تتخذ من الدين مطيةً لها.


أول من أمس الأحد، نظّم تجمّع «لم الشمل» ــــ يضم جمعيات تونسيّة غير حكوميّة ــــ حدثاً ثقافياً بعنوان «نحِّ يديك عن مبدعينا». خلال التظاهرة، كان يفترض عرض فيلم «لا ربي ولا سيدي» للسينمائية نادية الفاني (الصورة)، إضافةً إلى فيلم محمد علي الأتاسي «في انتظار نصر حامد أبو زيد». كما دعي إلى اللقاء فنانون تعرّضوا للمضايقات بسبب مواقفهم العلمانيّة مثل سوسن معالج، ومحمد الصغير أولاد أحمد، والنوري بوزيد، وياسر جرادي. ووسط ذهول الحاضرين، اقتحمت القاعة مجموعة تحمل راية كُتب عليها «الله أكبر». هشّم المهاجمون واجهة المدخل، واعتدوا على الحاضرين، وتعرّض مدير الصالة الحبيب بلهادي للضرب، ما استوجب نقله إلى المستشفى. وشرح المنتج والمثقف التونسي المعروف الذي يتماثل للشفاء، أنّ «الملتحين دخلوا بالقوة إلى القاعة، وضربوا الحاضرين تحت التهديد بالقتل والذبح، لكن أحداً لن يوقف مسيرتنا من أجل الحريّة».
أما المتطرّفون الذين أعادوا الى الأذهان شبح العنف في جزائر التسعينيات، فبرروا فعلتهم بكون الفيلم يتضمّن «إساءة إلى المقدسات الدينية». ولم يعرف بعد الانتماء المباشر للمجموعة التي تمكنت الشرطة من اعتقال ثمانية من أعضائها. وفي انتظار التحقيق، يمكن القول إن هذا العمل التخريبي ضدّ مثقفين خلال اجتماع في الفضاء العام، بعد الاعتداء على النوري بوزيد منذ أيّام، قد يكون إشارة إضافيّة إلى المنعطف الخطير الذي ستشهده تونس في المرحلة المقبلة. نادية الفاني التي تعرّضت لحملة على مواقع إلكترونية، أعربت من مدريد عن ذهولها مما وقع في «أفريكا آرت». وذكّرت بأن فيلمها «يدعو إلى التسامح». الشريط السجالي الذي عرض في «كان» الأخير، يناقش قضايا عامة، مثل إعلان الإسلام دين الدولة في الدستور، وحقوق المرأة، والصوم في رمضان... وقد عُرض «لا ربي ولا سيدي» في النهاية بعد تدخل قوات الشرطة.