دمشق | لم يكن يوم أمس عادياً في دمشق. التاريخ سيسجّل حتماً لحظة انعقاد أول مؤتمر للمعارضة السورية في قلب العاصمة، وتحديداً في قاعة «الروابي» في فندق «سميراميس». وبغضّ النظر عن المواقف المتباينة من هذا المؤتمر، فإنه مثّل ـــــ بلا شكّ ـــــ «ظاهرة» جديدة في تاريخ سوريا الحديث. هناك في الفندق الذي يقع في وسط دمشق، احتشدت عشرات الكاميرات التلفزيونية، ومراسلو الصحف والمجلات ووكالات الأنباء العربية والعالمية لمتابعة هذا الحدث.


البداية كانت مع دموع المشاركين التي ذرفت أثناء افتتاح المؤتمر على وقع النشيد الوطني السوري، تلاه الوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء. وفي زحمة الوجوه السياسية والإعلامية، برزت مشاركة مجموعة من صناع الدراما السورية ونجومها: عباس النوري حضر على نحو مفاجئ، ثم غادر سريعاً.
أما السيناريست فؤاد حميرة، فقد وجّه كلمةً طالب فيها بالإضاءة على الأخطاء التي ارتكبها النظام، والنتائج التي ترتّبت عنها. وفي حديثه مع «الأخبار»، قال: «أنا ابن هذا المجتمع ومواطن سوري له أحلامه وطموحاته، ورغبة في المساهمة ببناء بلد ديموقراطي». وأضاف بحسّه الساخر: «بلغت الخامسة والأربعين ولم أتمكن حتى الآن من اختيار أحد في هذا البلد إلا زوجتي... وعلى ما يبدو، كان خياري جيداً. إذاً، نحن نعرف كيف نختار. لذلك، يجب أن يتركونا ننتخب مسؤولينا». ويلفت حميرة إلى أنه جزء من هذا المؤتمر، وأنه لبّى الدعوة لأن «الهدف هو السعي إلى تحقيق مطالب الشارع السوري». وأشار إلى محاولات التجييش التي لجأت إليها السلطة من خلال حشد مسيرات تأييد خارج الفندق أمس، مضيفاً: «كل أشكال التجييش تؤذي كل الأطراف، بمن فيهم السلطة والمعارضة والشعب».
من جانب آخر، رأى حميرة أن المناخ السائد في سوريا «لا يساعد على الحرية. وكل ما يعوق الحرية قد يعوق الإبداع والملكة الفكرية. لذا، لا بد من أن تحمل المرحلة المقبلة حريات أكبر تسمح بتقديم نوع جديد من الفن والفكر».
من جهته، يؤكد الممثل سعد لوستان أن حضوره جاء تلبية لدعوة أصدقاء له من المعارضة. وقد أتى ليعزز الموقف الذي اتخذه منذ بدء الاحتجاجات الشعبية في سوريا. ورغم وجود عدد لا بأس به من أهل الدراما، إلا أن لوستان يرى أن عددهم قليل. يقول: «كان لا بد من حضور أكبر للفنانين للرد على الحملة التخوينية المسعورة على كل من اتخذ موقفاً يلامس نبض الشارع».
أما الممثلة لويز عبد الكريم، فتقول لـ«الأخبار» إنّ مشاركتها في المؤتمر تنبع من واجبها مواطنةً «ترفض العنف وتساند الحراك السلمي». وترى أنّ هناك فنانين حقيقيين عبّروا عن حركة الشارع وهم تشكيليون ونحّاتون كانوا أكثر جرأة من الممثلين. وتضيف قائلة إن الفنانين الذين قدّموا أعمالاً تنادي بالحرية وتنتقد قمع السلطة غابوا عن مساندة مطالب الشارع «رغم أن أصواتهم حاجة ملحة للحراك الشعبي».
وعن الهدف من المشاركة في المؤتمر، تقول: «المهم هو الخروج بنتيجة يلخّصها بيان يؤسس لمرحلة ديموقراطية مقبلة».
على الطاولة نفسها، شاهدنا الكاتبة ريما فليحان، وهي أكثر من نالها نصيب من التخوين والشتائم والتهديد بعدما صاغت نداء أطفال درعا الشهير. وكانت فليحان قد قالت في وقت سابق على صفحتها على فايسبوك إنها لن تشارك في المؤتمر، «لكنّني لم أستطع إلا أن أكون من بين الحضور كي أشهد على اللحظة التاريخية التي كانت ثمرة نضال الشعب السوري. وبوجودي هنا، أعبّر عن انتمائي إلى هذا الشعب بكل أطيافه وانتماءاته. وهذا اللقاء يمثّل نقطة تحول جديدة في تاريخه». ولـ«الأخبار» تقول فليحان إن المؤتمر «عبارة عن تجسيد سياسي لحراك الشارع»، فيما ترى أن حضور الفنانين أمر طبيعي؛ لكونهم «جزءاً من هذا البلد الذي يشهد تحوّلاً كبيراً».
من جهتها، ترفض الممثلة فدوى سليمان الحديث عن أي موضوع له علاقة بالدراما أو تطوراتها بعد هذا الحراك؛ «لأن المرحلة أكبر بكثير من ذلك». وترى أنّ حضورها هو تعبير عن ألمها لما يحصل في سوريا حتى قبل الأحداث «أي خلال السنوات الطويلة الماضية... وحضور الفنانين هذا المؤتمر ضرورة لأنهم أبناء مؤسسة فنية كانت ابنة النظام الذي منع الحد الأدنى من الحريات وتهيئة المناخ الملائم للإبداع الحقيقي». ويرى المخرج مأمون البنّي أنه لا يمثّل في حضوره سوى نفسه. ويرفض ـــــ من جانب آخر ـــــ كل الاتهامات التي وجِّهت إلى المؤتمر، قائلاً إن «حراك الشارع سيزيل كل العوائق وننفتح على دراما أكثر حرية وجرأة».




تصويب على الإعلام

أثناء لقاء «الأخبار» مع الكاتب فؤاد حميرة، وجّه هذا الأخير لوماً إلى النظام وطالبه بوقف كل أشكال الكذب الإعلامي. هنا تدخّل مصوّر قناة mbc معترضاً على اتهام وسائل الإعلام بالكذب، وسأله: «من هي وسائل الإعلام الكاذبة؟»، فجاء جواب حميرة مختصراً: «كلهم كذابون». من جهة أخرى، حصلت أثناء أول استراحة مشادة كلامية كادت تتطور إلى تشابك بالأيدي بين مصور «التلفزيون السوري»، ومصوّر قناة «المنار» بعدما قرّر المعارض لؤي حسين جمع كل وسائل الإعلام السورية للكشف عن سبب استيائه منها. وبقيت أسباب هذه المشادة مجهولة.