يعرف الجميع أنّ أقرب شخصيْن إلى عاصي هما فيروز ومنصور. فيروز كانت الملهمة والصوت الجميل والشريكة في بناء العائلة الصغيرة والفنانة المساهِمة في إيصال الإبداعات. أما منصور، فكان شقيق عاصي، ورفيق دربه في كل مراحل حياته وشريكه في المشروع الفني الكبير الذي بناه الأخوان رحباني. لكلٍّ منهما علاقته الخاصة بعاصي، ولكلٍّ منها كلامٌ يوضّح لنا جوانب من شخصيته الاستثنائية.

قُبيْل رحيل عاصي، وفي فترة العجز الجزئي الذي سببه له المرض، قالت فيروز (بالعامية): «حزن عاصي أكبر من مرضو وأخطر. الإنسان لمّا بيشوف حلم عمّ يتحقق، وفجأة بينكسر هالحلم، بيحزن، وشي بداخلو بينزف، وما بيوقف... عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية، الفرح فيها شي موقّت، والحزن والألم هنّي الأساس. وفرحنا الموقّت كان الحلم، والحزن كان الحقيقة».
وأضافت: «بس ما كنت أعرف هالشي! ما كنت أعرف إنو الإنسان إذا ضحك، راح يبكي ألف دمعة مقابل هالضحكة». وبعد رحيله بست سنوات، قالت: «كان دائماً مشدوداً إلى عالم آخر، إلى وطن يرسمه أجمل من كل الأوطان. كان كثير الأسئلة، يصيب الجميع بإرهاق وهو يناقشهم وكان يلقب نفسه بـ«المشارعجي». كان يحاول أن يجد جواباً على كلّ شيء [...]، جاء ليعرف، كما كان يردِّد دائماً: «جينا تنعرف». لذلك كان كثير الشك، والقلق، ومأخوذاً بأشياء لا يعرف ما هي. يتطلع دائماً إلى مكان غير موجود».
ثم اختصرت فيروز في شريط «كانت حكاية» (إخراج ريما الرحباني/ 2009)، التحوّل الكبير الذي أحدثه عاصي في حياتها، فقالت (بالعامية): «حبّيت صوَر عاصي، ومطارحو، ودخلت عليها، وما عاد فيّي إطلع منا، وصارت هيّي عالمي».
أما الراحل منصور الرحباني، فقد أضاء على ميّزات عاصي الفنان والإنسان، في أكثر من لقاء إعلامي. في عام 1987، أوضح منصور أمراً مهماً في شخصية عاصي الفنية المسرحية: «لم يكن عاصي يؤمن أن الكاتب «ينزل عليه الوحي». النبوغ والتقنية هما الأساس في نظره. ويكفي الكاتب الجو الهادئ ليكتب، وفي أي مكان. كان عاصي أحياناً يقفل مكتبه ثلاثة أو أربعة أيام ويكتب مسرحية كاملة. مسرحية تحتاج طبعاً إلى إعادة كتابة وتنقيح وتعديل. لكن المهم كان سريعاً. ولا أذكر أن الوقت سبقنا مرة في عملنا». وعن تأثره بالأنماط الموسيقية، قال منصور: «لم يتأثر عاصي بأحد، غير أنه اختزن الفولكلور، والموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، والموسيقى الشرقية، والبيزنطية، والسريانية المارونية، والتواشيح. لكنه لم يكن ينبع إلا من ذاته، فأعطى الفن المميّز». وأيضاً في تناوله محور المسرح الرحباني، قال منصور: «الإنسان هو الأهم في المسرح الرحباني عند عاصي. هذا الكائن البشري، المقهور والمعذّب في الوجود، كان كل همّه».
عام 1995، كتب منصور في كتيِّب ألبوم «إلى عاصي» (تكريم عاصي الذي أنجزه زياد الرحباني من خلال إعادة توزيع مختارات من أعمال الأخوين رحباني): «... كان دائم القلق، لا يرتاح إلا حين يستغرق في التأليف أو في جلسات الجدل، لينسى، ولو مؤقتاً، ذلك الهدير الداخلي المتصاعد سؤالاً، إلى أين؟».