مثّل عاصي ومنصور شخصية فنية معنوية واحدة هي «الأخوين رحباني»، لكن هذا لا يمنعنا من القول إنّ لكل منهما ميّزات خاصّة، أثّرت على نحو متفاعل بعضها في البعض الآخر (وربما على نحو مستقلّ)، في العمل الفنّي. حتى منصور تكلم عن صفات عاصي باعتبارها خاصّة بالأخير. خصائص النتاج الفنّي العام شيء (الأخوين رحباني)، وفرادة المرء، مستقلاً أو ضمن شراكة، شيء آخر (عاصي ومنصور وفيروز). في ذكرى عاصي، نتناول ما رسمته لنا الشهادات به مِن ملامح عنه، بُغية تبيان علاقة عضوية محتمَلة بين شخصية هذا العملاق وطبيعة مساهمته الأساسية في المشروع الفنّي الكبير للأخوين رحباني وفيروز. ما همنا في الحديث عن قدرات عاصي التقنية في العزف والتلحين والتوزيع وكتابة الشعر والمسرح؟ كل هذا يبقى أدوات بين يدي المبدِع.


الأهم هو السبب الكامن وراء حسْن استخدام هذه العناصر. التعب ضروري، وكذلك المهنية والدقة والسعي نحو الأفضل في التنفيذ، لكن، مرةً جديدة، ما هو السبب وراء ذلك؟ سبق أن تكلّمنا عن «السرّ»، فلنحاول أن نجد هذا السرّ.
هناك ميزة عند عاصي، لعلّها قاسم مشترك بين كل ما قيل عنه وكُتب، رغم الاختلاف في التعبير عنها، نسبةً إلى زاوية مقاربتها: القلق، والشكّ والإيمان، وكذلك الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية (إلى أين؟ ماذا بعد؟). الفنّ (والشعر منه) والحساب (الخاصّة الأساسية، لكن المخفيّة، في الموسيقى) والميتافيزيقيا. هكذا لخّص عاصي ثالوث الكون الذي لا ينفصم على حدّ تعبيره.
يروي مَن عرفوه أنه كان منخطفاً على نحو شبه دائم. موجود وغير موجود. غائب. يدقّ على صدره إيقاع لحنٍ يعذّبه. لحنٌ في مرحلة المخاض المؤلم الذي يسبق الولادة مباشرةً. «مسلوب»، يقول زياد في وصفه المعبِّر لهذه الحالة، لكن مسلوب إلى أين؟ إلى الماورائيات؟ إلى الفنّ شعراً وموسيقى؟ في الحالتين، ما زلنا ضمن ثالوث الكون. أو ربما هذا هو مصير مَن يبدِع للقريب مستلهماً البعيد. جسده يبقى قريباً، هنا، ونفسه تحلق بعيداً، هناك. هو جسر القمر، كما وصفه أنسي الحاج.
معروف عند الأخوين رحباني البساطة. الناس البسطاء. الحياة البسيطة. معظم ما صنعوه شعبيّ. يفهمه كل الناس ويمس أبسط البسطاء. إذاً هناك ازدواجية بين المصدر العالي، المنفصل ولو شكلياً عن الحياة اليومية، والنتيجة النهائية التي لا علاقة لها إلّا بالحياة اليومية. ربما التصادم الدائم بين هذين الهمّيْن المتباعدَيْن، في نفْس عاصي الفنان، هو السبب وراء هذه الانفجارات واللهيب الذي ولّده إبداعه. هذه قاعدة مسلّم بها في العلوم. وقد يكون الأمر كذلك في الخلق الفنّي. فالخلق بمعناه الكوني هو نتيجة أعلى «حادثة» تصادم في الوجود، صحيح، لكن تبع القاعدة نفسها الكون آخذٌ في التمدّد، وكذلك «كون» الأخوين.
الشك والإيمان يعملان أيضاً في هذا الاتجاه. والأصح أن الشك والإيمان هما الشك فقط. فالشك هو الحد الفاصل. أو النقطة التي يتصارع عندها الإيمان وعدم الإيمان، وتتكثف فيها الأسئلة بسؤال واحد: إلى أين؟ إلى اليمين أم إلى الشمال؟ إلى الإيمان، وننتهي من هذا الصراع، أم العكس؟ لم يغلب أيّ منهما الآخر عند عاصي. ربما لم يقتنع، بصدق، بأيٍّ مِن الجوابيْن لكي يجاهر بهذا الخيار أو ذاك، فترَك الأمور معلّقة عند نقطتيْ التعجّب والاستفهام، أي الشك. أما قلق عاصي، فلا يخرج عن المساهمة في هذه اللعبة المدمّرة/ البنّاءة. قلق عاصي قلقان. كل منّا يعاني أحدهما، لكنهما اجتمعا في عاصي و«مرجحاه» بين البشر، والـ «كبير» كما كان يسمّي الخالق. قد تكون كل هذه الأسباب وراء عشق عاصي للطبيعة.