الرباط | الطاهر بن جلون مبدئي أم انتهازي؟ بعضهم يصفه بالمبدئي المدافع عن القضايا العادلة، وآخرون يتحدثون عن رجل يعرف كيف يسوّق نفسه. لكنّ الجميع يتفق على أنّه كاتب سجالي، استحقّ المكانة المميّزة التي يحتلّها على خريطة الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسيّة. في ندواته، يكون صاحب «طفل الرمال» متحفزاً. يحكي بعصبية تارةً، وببطء طوراً. يبتسم، ويدعك ذقنه التي غزاها الشيب، لكن لا شيء ممّا يقوله يمرّ مرور الكرام. هذا ما يمكن أن يتوقّعه الجمهور البيروتي من اللقاء مع الروائي المغربي الذي يحلّ ضيف شرف على الدورة الثالثة من «مهرجان ربيع بيروت».


«قاعة بيار أبو خاطر» ستستضيف لقاءً مفتوحاً مع بن جلون عند الرابعة من بعد ظهر اليوم، كما سيلقي غداً، بدعوة من السفير الفرنسي في لبنان دونيه بييتون محاضرة في «قصر الصنوبر» بعنوان «كيف نكتب أثناء الربيع العربي؟».
وقد شُغلت الصحافة العالمية أخيراً باثنين من سجالات بن جلون الأثيرة. أوّلها موقفه النقدي من نيل ميشال ويلبيك جائزة «غونكور» عن روايته «الخريطة والإقليم». أمّا ثانيهما، فإعلان نيّته إصدار كتابين يتناولان الربيع العربي عن «دار غاليمار» الفرنسيّة. الكتاب الأوّل سيتضمّن مقالات نشرها في الصحافة عن الثورات العربية وجمعها تحت عنوان «الشرارة ـــــ انتفاضة في البلدان العربية»، والثاني رواية «في النَّار».
وكالعادة حين يأخذ بن جلون أحد تلك المواقف «البطوليّة»، ينهال عليه النقد. إذا كان كثيرون يوافقونه رأيه الشجاع من ظاهرة ويلبيك الهجينة، فحماسته الزائدة للربيع العربي أثارت الاستغراب والسخرية. في مقال نشره الباحث الألماني نيكلاس بندر، على موقع مجلة «قنطرة» الألمانية العربيّة، نقرأ تحليلاً لـ«الشرارة»، الذي صدر بطبعة ألمانيّة قبل خروجه في فرنسا. بعنوان «الطريق السهل للالتحاق بالثورة»، عدّ بندر الروائي المغربي «انتهازياً يريد ركوب الموجة الثورية»، واصفاً إياه بـ «مقاومي الساعة الأخيرة».
ويشير منتقدوه إلى أنّ بن جلون لم يعبّر عن أي موقف متعاطف مع الحراك الشعبي في بلاده... على العكس، انتهج سياسة المحاباة تجاه الخطاب الرسمي القائل إنّ «المغرب استثناء»، وراح يكيل المديح لسياسة المؤسسة الملكية. لهذا، يرى كثيرون أنّ إصداره كتابين عن الثورة، لا يعدو كونه عمليَّة تسويق جديدة، لا علاقة لها بأي تماهٍ عضوي مع نبض الشاعر العربي.
أعمال بن جلون الأدبيّة من الثمانينيات، لا تسلم أيضاً من النقد. ليس لأسلوبها، بل لأجوائها التي تصوّر المغرب بطريقة استشراقية، ملأى بالكليشيهات. كتابته تحاول الركوب على مواضيع تمثّل حديث الساعة، مثل الهجرة، والمثلية، والإسلاميين. هكذا يستخدم مصطلحات كأنّها كتبت خصيصاً للإجابة عن نظرة غربيّة مسبقة إلى العرب والمسلمين، ملؤها الاختزال والنمطيّة والتسطيح.
بعيداً عن مواقفه الإشكالية، يبقى الطاهر بن جلون قامة مغربية كبيرة في الأدب المكتوب بالفرنسية إلى جانب محمد خير الدين وإدريس الشرايبي. فقد ترجمت أعماله إلى أكثر من 43 لغة، وحاز جائزة «غونكور» عن عمله «ليلة القدر» (1987)، وجائزة «الأركانة» من «بيت الشعر» في المغرب العام الماضي.
بين فرنسا، التي منحته جنسيتها، والمغرب، بلده الأصلي، تظل مدينة طنجة علامة بارزة في حياة وكتابة بن جلون. فيها التقى وجوهاً بارزة، في طليعتها جان جينيه، الذي ألهمه كتاباً بعنوان «الكاذب العظيم». صاحب «تلك العتمة الباهرة» التي تستعيد «سنوات الرصاص» المغربية، كان أيضاً وراء الترجمة الفرنسية لرواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري، التي نشرت بعنوان Le pain nu، قبل صدور الطبعة العربيّة الأصليّة في المغرب.
يمكن القول إنّ بن جلون نجم على كلّ الجبهات: فهو ضمن لائحة الكتّاب الأكثر شهرةً في فرنسا، وعضو أكاديمية «غونكور»، يكتب في أشهر الصحف الفرنسية مثل «لوموند». من دون أن ننسى مواقفه الصارمة من قضايا الهجرة والإسلام في أوروبا، وهو مساند مبدئي لكل أشكال النضال الديموقراطي... عدا تلك التي تمسُّ مصالحه وعلاقاته على الأرجح، لكن ألا يلتقي هنا مع عدد من الرموز المكرّسة في الثقافة العربيّة؟




لقاء مفتوح مع الطاهر بن جلون ـــــ 4:00 بعد ظهر اليوم ـــــ «قاعة بيار أبو خاطر»، «الجامعة اليسوعية» (طريق الشام)
محاضرة بعنوان «كيف نكتب أثناء الربيع العربي؟»: 7:00 مساء غد الجمعة ـــــ «قصر الصنوبر» (بيروت)