«عندما أفكر في الوقت الذي قضيته في العراق، أفكر أولاً بالأشياء الطيبة: أفكر بأصدقائي العراقيين والأميركيين، والوقت الذي أمضيته وأنا أشاهد الحياة الطبيعية في العراق. ورغم أنّ وحدتي الطبية رأتْ وجهَ الحرب القبيح، إلا أنني اكتشفت بلداً غنياً بالتاريخ والجمال الطبيعي». هذه بعض كلمات الجندي الأميركي جانثن ترورن ــــ ترند الذي خدم في العراق سنة كاملة. جندي متخصص في علم الأحياء، جاء مع ترسانة الموت إلى بلاد الرافدين ليشاهد ويرصد طيور العراق وطبيعته! هذا ما يرويه لنا في كتابه «طَيْرُ العراق ــــ سجلّ جندي من العراق» (دار الجمل).

في ظاهرهِ، يهتم الكتاب بأنواع الطيور في العراق، القاطنة منها والمهاجرة، وحتى تلك التي تصل عابرة أو شاردة. وقد سجَّل المؤلف مشاهداته على شكل يوميات، مضمّناً الكتاب بعض الرسوم التوضيحية. وختمه بقائمة تحتوي على 122 نوعاً من الطيور، مع بعض الشروح. يذكر المؤلف ضمن مشاهداته أن القاعدة العسكرية التي يعمل ضمن نطاقها، تعرضت لقصف صاروخي، إلا أن ذكر الضحايا غائب عن كتابه... باستثناء طير دخل المروحية الأميركية أثناء التحليق، من طريق الخطأ، والتقط الجنود الصور «لجثته». عدا ذلك، لا مُعتدى عليهم غير الجنود الأميركيين، ما يحيل بالتأكيد إلى أنَّ المعتدين هم من أبناء العراق.
يثير الكتاب سؤالاً مهماً ينصبّ على علاقة الغريب بالطير. الإنسان الغريب يشعر بانجذاب شديد إلى كلّ شيء يراه، وخصوصاً الطير الذي يأنس ويطمئنّ إليه؛ لأنه يُعدّ رمزاً للحرية والانعتاق. هكذا، يصير الشغف بالاكتشاف فكرةً أساسيّة للكتاب. إلا أن الجندي لم يشر إلى أنه كان يشعر بالغربة، إلى درجة أنه عمد إلى صياغة العنوان الفرعي لكتابه كأنه في بلده الذي ينتمي إليه «سجِلُّ جندي من العراق». فهل كان يحسب العراق إحدى الولايات الأميركية، أم أنّه يرى العالم كلّه أرضاً أميركيّة. هذا الجندي يعود في مكانٍ آخر من الكتاب ليذكّر القارئ بما يفكر فيه: «أنا جندي من العراق. حُرِّكَت وحدتي العسكرية لمدّة قد تصل إلى ثماني عشرة شهراً. أمارس هواية مشاهدة الطير منذ أن كان عمري اثني عشر عاماً، أي منذ أربع وعشرين سنة».
لا يفصح المؤلّف عن ترتيبه الوظيفي بوضوح، بل يورده متفرّقاً بين صفحة وأخرى. نكتشف أنّه عالم أحياء يخدم في كتيبة استخبارية تابعة لوحدة طبية عسكرية. «لقد سمح لي عملي في قسم الاستخبارات في كتيبتنا بالسفر إلى أماكن أخرى في العراق، في صحراء الأنبار القاحلة إلى خرائب بابل وأور المذهلة، إلى قصور وشوارع بغداد». وهنا ننتبه إلى أنه استخدم كلمة «خرائب» بدلاً من الاسم المعروف «منطقة آثار بابل». قد يبدو التعبير أقرب إلى الواقع، فالمنطقة استحالت إلى خرائب بفعل التخريب، ولا نفهم إن كان يغمز إلى التخريب في زمن الديكتاتور أو في زمن الاحتلال الذي غيّر معالم المنطقة.
عبارة «بطران هذا الأميركي» تجثم في ذهن أي عراقي يتصفح هذا الكتاب. العراقي الذي يعرف الواقع على حقيقته، لا يمكن أن يتصور أن أميركياً قطع آلاف الأميال ضمن جيش جرار، ليأتي إلى العراق بهدف بحثٍ إحصائي عن طيور العراق وأنواعها...
ينهي المؤلف كتابه بنبرة إنسانية عالية، لا بدّ من أن تحظى بتعاطف الكثير من القرّاء. «كان يوم أمس آخر يوم لي في العراق في هذه المهمة. مَشيتُ في الأيام القليلة الماضية حول القاعدة كثيراً لرؤية طيوري المفضلة التي سأذكرها دائماً كلما فكّرْت في العراق (...) لقد حظيتُ بهذه الفرصة لآتي إلى هنا للقيام بمهمّة أؤمن بها. ربما سنحت لي الفرصة لرؤية وتثمين عالم العراق الطبيعي أكثر من غيري بسبب طبيعة عملي والأماكن التي زرتها. آمل أن أعود يوماً إلى العراق بمنظاري، لكن من دون سلاح».
ترى، هل جاء هذا الجندي «المسالم» إلى العراق بالفعل ليؤلّف كتاباً عن طيوره؟ أم أنّه أتى ليقول إنّ القوة العسكرية الأميركية «مباركة» أينما حلَّت، تجلب الخير والأمن للناس، تبحث في تاريخهم وحاضرهم وطبيعة أرضهم، لتمنحهم بالتالي خلاصة جهودها مجاناً؟ أمّا المعلومات عن طير العراق، فلم تأتِ بالجديد، بل هي مقتبسة من كتاب «الدليل الحقلي لطيور الشرق الأوسط» تأليف ريتشارد. ف. بورتر وآخرين. بإمكان أي شخص أن يؤلف كتاباً مماثلاً حين يحترف الاقتباس من كتب أخرى!
كلمة أخيرة قالها الجندي الأميركي جانثن ترورن ـــ ترند الذي ينوي العودة إلى العراق مرة أخرى: «بينما كنتُ أمشي على الكثبان، رأيتُ حمامةً بيضاء نقية تُحلّق في سماء المعسكر. سأعتبر ذلك فأل خير».