القاهرة | سوء تفاهم أم لعبة دعائية؟ الإجابة ستمثِّل حلّاً للغز المشاركة المصرية في «مهرجان كان السينمائي» هذا العام. بدأ اللغز عندما أعلن مهرجان القاهرة السينمائي في بيان أنّ مصر ستكون ضيف شرف الدورة 64 من المهرجان العريق التي تنطلق بعد الأربعاء وتستمرّ حتى 22 أيار (مايو) الجاري، وذلك احتفاءً بالثورة المصرية. خبر جميل مع أنّ «مهرجان كان» لا يستضيف أي دولة بصفة ضيف شرف، لم يحدث ذلك من قبل، وإن أعلن المهرجان على عجَل إدراج هذا التقليد في المستقبل (راجع «الأخبار»، عدد ١٨ نيسان (أبريل) 2011).

بالطبع، حلّت الصحافة المصرية المشكلة على طريقتها، فرأت أنّ مصر «أول ضيف شرف في تاريخ المهرجان الفرنسي العريق». لم يكن ذلك صحيحاً، لكنّه وجد أرضية مناسبة لدى المتلقي العربي، ليس فقط من خلال الحضور العريق لهوليوود الشرق في المهرجان الفرنسي، بل لأنّ مخرجاً مصرياً هو يوسف شاهين كان «أول» من حاز سعفة ذهبية خاصة جداً هي «جائزة اليوبيل الذهبي للمهرجان». كان ذلك عام 1997 وفاز بها شاهين عن مجمل أعماله. لذا لم يبد غريباً أن تكون مصر أول ضيف شرف يقرّه المهرجان، خصوصاً بعد ثورة النيل التي شغف بها العالم.
لكنّ الحقيقة تختلف بعض الشيء. صحيح أن المهرجان خصص يوماً للسينما المصرية، وهو ليس أمراً جديداً تماماً، في ظل الاهتمام الفرنكفوني بسينما العالم الثالث وفي قلبه هوليوود الشرق، لكن المهرجان لم يغيّر عادته ولم يختر أي ضيف شرف، بل وجّه التحية لثورة مصر، وثورة تونس أيضاً، متمنياً مشاركة ملموسة للبلدين في الدورة المقبلة. ولم يفت المهرجان توجيه تحية أخرى، هذه المرة... لليابان، مؤازرةً لها في محنتها النووية.
ربطت الصحافة المصرية بين التحية ووجود البرنامج المصري الذي خصص له يوم 19 أيار (مايو)، ثمَّ صدَّقت بيان مهرجان القاهرة الذي تحدث عن ضيافة الشرف. على أي حال، تقتصر المشاركة السينمائية المصرية على فيلمين، أولهما «البوسطجي» (1968) لحسين كمال عن قصة يحيى حقي. وتمثل شخصية عباس البوسطجي (شكري سرحان) إحدى كلاسيكيات السينما المصرية والأدب المصري معاً. المشاركة المصرية الثانية هي الأهم لهذه الدورة والأكثر انتظاراً. على غرار فيلم «11/ 9/ 2001» الذي نفذته نخبة من السينمائيين العالميين عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكان منهم يوسف شاهين، تتكرر التجربة هنا بيد مصرية خالصة. عشرة من مخرجي مصر ومخرجاتها يقدمون فيلم «18 يوماً» عن يوميات ثورة «25 يناير». نتحدث هنا عن عشرة أفلام منفصلة يجمعها خيط الحدث الكبير.
ربما كان الوقت القصير منذ إطاحة مبارك مناسباً أكثر للأفلام القصيرة. صاحب الفكرة هو مروان حامد الذي اقترحها على يسري نصرالله، والتنفيذ ضم معهما نخبة من مخرجي مصر من أجيال متعددة، تكتم معظمهم عن مجريات أعمالهم، لكن ما تسرب منها كان كافياً لإثارة خيال المشاهد.
فيلم مروان حامد «19/19» يدور داخل جدران أحد مقار مباحث أمن الدولة، الجهاز الذي قضت عليه الثورة. لا يزال هناك من يحقق مع أحد المتظاهرين بينما العالم يتغير في الخارج. الفيلم من تأليف عباس أبو الحسن وبطولة عمرو واكد وباسم السمرة. أما يسري نصر الله، فيقدم يسرا في فيلمه «داخلي/ خارجي». هكذا ندخل أحد بيوت القاهرة، نراقب تأثير الثورة على أسرة مصرية عادية، ونتتبع تفاعلها مع الأحداث. الفيلم من تأليف تامر حبيب ويشارك في بطولته مع منى زكي وآسر ياسين.
ويكتب بلال فضل فيلم «خلقة ربنا» لكاملة أبوذكري التي حققت نجاحاًً مع فيلمها الأخير «واحد صفر». تقدم هنا عشر دقائق من وحي ميدان التحرير مع ناهد السباعي وسلوى محمد علي، وعدد من الوجوه الجديدة، بينما يلتقط الشاب شريف البنداري خيطاً آخر من الثورة، هو اللجان الشعبية الساهرة أثناء الانفلات الأمني، من خلال فيلمه «حظر تجول». ويعتمد المخرج محمد علي بدوره على وجوه جديدة في «لما يجيك الطوفان»، عارضاً تجربة عدد من الثوار وحياتهم اليومية في قلب الميدان.
ويمزج المخضرم شريف عرفة بين التسجيلي والروائي في «احتباس»، بينما تشارك مريم أبوعوف بفيلم «تحرير 2/2». أمّا أحمد عبد الله القادم من عالم السينما المستقلة فيقدم «شباك»، ويقدم أحمد علاء تجربته الروائية الثانية بعد «بدل فاقد»، فيشارك بفيلمه «حلاق الثورة». وبعد نجاح تجاري لافت، يقدم المخرج ـــــ المونتير سابقاً ـــــ خالد مرعي فيلم «كعك التحرير».
عشرة أفلام هي تجربة سيحكم جمهور «كان» على مدى نجاحها. ولأنّها صنعت في أجواء الثورة، فقد تبرّع العاملون من فنانين ومخرجين وكتّاب بأجورهم للمشروع، وكذلك فعلت معامل التحميض. لهذا لم تكلف كلّها أكثر من ستة آلاف دولار. لكنها مع ذلك لم تفلت من هجوم استباقي، إذ استنكر المخرج محمد خان مشاركة أمثال شريف عرفة ومروان حامد في التجربة، بعدما كانا من مؤيدي النظام حسب قول خان. ويذكر أن حامد أخرج حملة انتخابات الحزب الوطني قبل ست سنوات، فيما أخرج عرفة لقاءً شهيراً ـــــ أحبط المصريين ـــــ مع الرئيس السابق حسني مبارك، وقدّمه آنذاك عماد الدين أديب (راجع المقال أدناه). من المعروف أن يسرا ـــــ بطلة فيلم يسري نصر الله ـــــ كان موقفها ملتبساً من الثورة. لكن قلّما كانت المواقف السياسية هي معيار الحكم الأساسي والوحيد في تاريخ الفنان.