بعد أشهر على رحيل المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، صدر كتابه «التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير» (المركز الثقافي العربي). شمولية الدين، وهواجس التأويل، والحلف المقدس بين السياسي والديني، على هذه المصطلحات بنى نصر حامد أبو زيد عدته لدراسة انسدادات إسلام العصر. التجديد عنده، ديني، مجتمعي وسياسي، والنقد لا ينحصر في «بنية العقل الإسلامي»، بل في الواقع التاريخي الذي رافق الإسلام من مراحله التأسيسية ويمكن وضعه في سياق جدلية الوحي والتاريخ. لماذا يسبّب الفن فزعاً لدى بعض الفقهاء، فيواجهونه بخطاب التحريم ويحاولون محاصرته؟ حراس العقيدة يكفّرون الفن الذي يُعَدّ أحد محركات المجتمع، والهدف كما يقول أبو زيد «تأبيد الواقع وتجميد اللحظة التاريخية».


مع العلم بأنّ الفن والدين، قاما على أسس تاريخية، عُبِّر عنها في الديانات البدائية ـــــ الوثنيّة ـــــ واتخذا لاحقاً منحىً آخر، مع التوحيد، وشهدا حضوراً لافتاً خلال الصلاة، عند المسيحية والإسلام، مع اختلاف النهج الفني. والحال هذه، فلماذا يبدي بعض الفقهاء ممانعة للفن ويطلقون عليه صيغ التحريم، وخصوصاً التصوير والنحت؟ في الجاهلية، لم يحضر التصوير والنحت، رغم أن الكعبة حوت تماثيل قبل التوحيد. فهل يعني أن تحطيم الأصنام هو بمثابة التحريم الأبدي بعدما أحدث العرب القطيعة النهائية مع الشرك؟ مستشهداً بالإمام محمد عبده، خلص صاحب «التفكير في زمن التكفير» إلى أنه لا حاجة إلى هذا التحريم، فلا خوف على المسلمين من العودة إلى الشرك.
يواجه أبو زيد محرمي الفنون بإشكالية من نوع آخر. إذ يسأل: ما هو تفسيرهم لترتيل القرآن، وعلم التجويد القائم على التنغيم والفصل والوصل؟ على إيقاع الشيء بالشيء يذكر، يستند الكاتب إلى نصوص سيد قطب الواردة في مؤلفه «التصوير الفني للقرآن». قطب مؤسس تيار الإسلام الراديكالي، امتلك رؤية فنية. القرآن بالنسبة إليه «تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل، كما هو تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل»، فما هو ردّ ورثة قطب على مرشدهم الروحي؟
وبصرف النظر عن الدلالات الفنية للإعجاز القرآني، كيف رصد أبو زيد إشكالية التأويل؟ تبدأ معركته مع صراع المصطلحات. وبعد أن يقيم تمييزاً لغوياً لدلالتي التفسير والتأويل، يتحرّى عن الأسباب التي كرست انتصار التفسير على التأويل. أسباب رافقها الديني والسياسي، بدءاً من القرن الرابع الهجري، أي القرن الذي شهد الصدام بين الدولة العباسية الممثلة للإسلام السُّنّي والدولة الشيعية (دولة الفاطميين). العلاقة بين التفسير والتأويل تبادلية. كل طرف يتمم الطرف الآخر، بهدف فهم مقاصد النص القرآني. الأوّل يمهد للثاني، كما قال جلال الدين السيوطي. مخاوف التأويل رافقت الإسلام منذ فجره، ليس مخافة الخروج بدلالات تقود إلى فهم النص، بل لأن «مناهج التفسير والتأويل» لم تكن حاضرة عند المسلمين الأوائل، وإن نادى الإمام علي ابن أبي طالب بمقولته الشهيرة «بين دفتي المصحف لا ينطق وإنّما يتكلم به الرجال»، كما أكد أبو زيد.
فرقة المعتزلة التي كان لها دور ريادي في استنطاق النص المقدّس، جوبهت بأهل الحديث والفقهاء. أهل العدل والتوحيد، اعتمدوا القياس العقلي، وهذا ما طبقوه على آيات الصفات (الرحمن على العرش استوى). والدلالة هنا، مجازية، وليس هناك عرش، ولا استواء بمعنى الجلوس على اعتبار «أنّ العرش محدود في المكان، وأنه جسم يقبل الأعراض». المفارقة التي طالعنا بها أبو زيد، أنّ الأشاعرة اتفقوا مع المعتزلة على «تأويل آيات الصفات المتصلة بالتوحيد والتنزيل». لكن الخطر الذي هدّد الإمبراطورية الإسلامية بعد سقوط بغداد أسقط المشروع برمّته، وجاء انتصار الاتجاه الحنبلي في أزمنة الاضطرابات السياسية ليضفي مزيداً من التعقيد على إشكاليات التأويل في العهود المتتالية. فما الذي كبّل حركية التأويل حتى العصر الراهن؟ وأيّهما أعمق حضوراً في المشهد الإسلامي الحديث، التوهيم الديني أم التوهيم السياسي؟ أسئلة كثيرة يمكن صوغها بعد قراءة ثلاثية نصر حامد أبو زيد. يبقى أن الكتاب الذي هو عبارة عن مجموعة من المحاضرات والدراسات تحتاج كل فكرة فيه إلى تمحيص وقراءات. مهمّة ملقاة على عاتق من اقتفوا خطى أبو زيد من العقلانيين العرب، رغم ثقل الفراغ المعرفي الذي أحدثه الغياب.