اعتاد محمد ملص (1945) أن يسجّل يومياته في مفكرة خاصة. هذه العادة رافقته منذ أن كان طالباً في «معهد السينما في موسكو». ها هو يجمع يومياته المتناثرة في كتاب حمل عنوان «مذاق البلح» وصدر أخيراً عن «دار رفوف» (دمشق). في بيت الطلبة، وتحديداً في الغرفة «403»، تعرّف صاحب «أحلام المدينة» إلى الكاتب المصري صنع الله إبراهيم الذي أتى إلى موسكو يومها بمنحة لدراسة السينما. روى له صاحب «تلك الرائحة» تجربته في سجن الواحات (1959)، وإحساسه بالعزلة، إضافةً إلى مشاريع روائية مؤجلة، سوف ينجزها بالتتابع. بين تلك المشاريع رواية عن «المتنبي»، وأخرى عن «النبي»، وثالثة عن الفراعنة.


أما «خاتمة الروايات، فستكون عن الجسم البشري، بعدها سأنتحر»، أخبره الروائي المصري. كان صنع الله، يجلس وراء الآلة الكاتبة حتى وقت متأخر من الليل، ثم يتوقف فجأةً ويصرخ: «يا عالم أنا عايز امرأة».
لوثة الكتابة الروائية أصابت زميله في الغرفة، فجلس هو الآخر، يستعيد مدينته الأولى القنيطرة. سيصدر تلك الكتابات بعد سنوات في رواية «إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب»، كما سيقنع السينمائي الشاب، صديقه الروائي، بتمثيل دور في فيلمه الأول «وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط» (1974). يكتب محمد ملص: «كنا نجلس دائماً وسط الغرفة، فنبدو أشبه بتكوين مسرحي على منصة، جدارها الرابع هو الغابة التي تبدو كأنها المتفرج الوحيد على عروضنا اليومية هذه... العروض التي يتخللها جون دوس باسوس، وغراهام غرين، ودوستويفسكي، والسجن، والقنيطرة، والمرأة، والختام منام الليلة الفائتة».
في بورتريه آخر، يستعيد السينمائي السوري زميله المسرحي شريف شاكر. خبر موته في المنفى عام 1995، أعاد إليه ملامح تلك الشخصية المتفرّدة والصاخبة والعابثة. التقاه في الطائرة المتجهة إلى موسكو، لتنشأ بينهما صداقة حميمة، وعشق جارف للمسرح، لكن خيبات شاكر المتلاحقة في إعادة الروح إلى المنصة السورية، إثر عودته من موسكو، أنهت حياته على عجل. «شريف! إذا لم نعثر بعد في الوطن على جدار أبيض في مسرح الحياة، لنضع الصور أوسمة على صدره، فإنّ صورتك في مسرح الموت هذا، تملأ فضاء الروح كلها»، يكتب.
في «يوميات العطالة»، يعيد صاحب «الليل» تركيب الصور، على نحوٍ آخر. يتوقف ملياً عند صورة قديمة، التقطت في الأربعينيات من القرن المنصرم أمام «سينما دمشق»، التي كانت تعرض فيلم «لحن الوفاء» لإبراهيم عمارة مع عبد الحليم حافظ وشادية. صورة أخرى في «مقهى الوحدة»، التقطها خصيصاً كي يرسلها هدية إلى الرئيس جمال عبد الناصر. هذا التلصص الموارب على طفولة بعيدة، سيكون المادة الخام لأفلامه اللاحقة، ولتوقه إلى غرفة المونتاج لتظهير النسخة الأولى من باكورته السينمائية، ولتجواله اليائس في شوارع دمشق وعلى مكاتب الإداريين في «دائرة الإنتاج السينمائي». يقول له المسؤول: «انتظروا لنخلص من ها المناسبة الوطنية»...
الكرب اليومي سيتحوّل إلى ضحك مرّ مع زميله في العطالة عمر أميرلاي. «نحن في المصيدة، وعلينا أن نخرج منها قبل أن تتكسر أجنحتنا داخل الخفقان العبثي المأزوم». تتراكم أفكار السيناريوهات، من دون أن تجد منفذاً لها إلى الضوء. يكتب في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1980: «في ذاك النهار، جاؤوا إلى بيت «أبو الميش» (ميشيل كيلو) وأخذوه. زحفت كسنجاب حبيس، وجلست على البلاط، فبدأت الرطوبة تتسلل إلي». لعلّ قصة حب جارفة عاشها صاحب «الليل» حينذاك، هي ما أنقذ روحه في تلك الحقبة العاصفة المثقلة بالخيبات والعطالة المزمنة. «في مستودع روحي، أودع صورة الضوء المنبعث من صدرها، بين درفتي الفتحة العلوية للقميص الكرزي. أضع داخله تلك الرائحة ومذاق البلح ذاك». ويضيف: «حتى في «ألف ليلة وليلة» يضمحل السرد، فحين تكتمل الحكاية ويظفر الحسن البصري بامرأته، لا يبقى من ولع أبطال الحكاية إلا الصور».
كواليس لجان التحكيم في المهرجانات السينمائية لها حصة في هذه اليوميات أيضاً. ما بين «قرطاج»، و«لايبزغ»، تدور معارك سريّة، وأخرى معلنة، في الدفاع عن فيلم، أو تجاهله. يورد عبارة قالها له السينمائي الراحل يوسف شاهين خلال وجوده في «قرطاج»: «نحن لسنا طليعة، أصبحنا جراثيم، علينا أن نحافظ على ما بقي، لأنّ الفساد أصبح كالهواء المحيط بنا. لنتمسك بقوة بالمؤسسات الحكومية التي تنتج الأفلام، كي نسعى إلى إنقاذ خلية واحدة في ظهر هذا البعير». هناك محطة في «برلين»، ورحلة أخرى إلى مدن داخلية، ومكاشفات جريئة، ومسودات أفلام تنتظر عين العدسة.

بدعوة من «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» و«نادي لكل الناس»، يُعرض فيلم محمد ملص «الليل» في «مسرح بيروت» (عين المريسة) عند الـ 7:30 من مساء الخميس 14 نيسان (أبريل) بحضور المخرج، كما يعرض فيلم «حلب مقامات المسرّة» عند السادسة من مساء الجمعة 15 نيسان (أبريل) في مركز المجلس في النبطية (جنوب لبنان)