أجمل ما يمكن أن تقرأ للشعراء نصوصهم الخارجة على الشعر، فهي تعرّفك بجوانب مجهولة من القصيدة. تترك لك أن تتنصّت على أبواب الغرف السريّة التي يرتادها الشاعر، يكتب أو يحاول، يصمت ويأكل ويحبّ و(لا) ينام وحيداً. ينقّح أفكاره، ويدوزن مشاعره، ويسنّ مفرداته، يجرّب الصور... باختصار، يتمرّن على اللغة والحياة. في حالة سيف الرحبي، يمكن أن نضيف: والسفر. الشاعر العُماني مولع بالترحال الذي طالما استمدّ منه نسغ القصيدة. يكتب «رسائل في الشوق والفراغ» (دار الآداب) من أماكن بعيدة، متوجّهاً إلى المرأة التي يربطه بها «ميثاق الكتابة». يكتب عن البعوض والسيّاح والإعصار. يناجي الغربان: «رفيقة الطفولة البعيدة»، ويخاطب بحر الصين: «القادم من شعاب القدم وليل الفلاسفة والزهّاد». الكتابة خيط أريان الذي يربطه بتلك السيّدة «الكريمة في الحضور والغياب»: «إنني أشتاق إليك وليس إلى المكان الذي ساق أبناءه إلى المذبحة». هل سافر إلى آخر الأرض كي يشتاق إليها؟ أم تراه يريد أن يلتقيها؟ «قرصانة الخيال (...) تجوبين القفار بحثاً عن قصيدة مستحيلة».

إنّها لمتعة خفيّة أن تتعقّب الأشباح بين أزقّة المدن الغريبة، وعلى أرصفة الموانئ النائية. هناك تتعرف إلى الناس حقاً، (بل إلى نفسك)، وتمدّ أواصر صداقات استثنائيّة. في هذا الكتاب الصغير الذي يقرأ بشغف وفضول، يواصل سيف رحلته، مثل «بحّار ميشيما». سندباد ما بعد حداثي، يمضي عمره هارباً من فراغ الأماكن القاحلة. «يبحث عن حقيقة غامضة، أو معجزة مستحيلة الحدوث إلا بالموت». يقوده هروبه إلى «كرسي فارغ أمام المحيط (...) الكرسي الذي وضعه/ عابر سبيل ورحل/ تاركاً مصيره/ في مواجهة الموج والفراغ...».