كان يكفيه عود قصب، وخيط، وانتظار ساعات طويلة، حتى يصطاد فرخ السمك الذي يليق بأحلامه. وكانت طيور النورس تشارك مروان بركات يوميات العطلة الصيفية التي كان يقضيها في قريته خربة خسرف، في جبال اللاذقية، بعيداً عن صخب دمشق. على ضفاف أنهار قريته الوديعة، كان يمارس رياضة السباحة، ومهنة الصيد. كان يُمضي ساعات طويلة هناك لكنه لا يتذكر أنّه اصطاد شيئاً سوى ذلك الأفق الواسع، والذاكرة البصرية الخصبة. تلك أجمل اللحظات التي يتذكرها المخرج السوري من أيام الطفولة، لكنّه يحتفظ أيضاً بصوت مديرة مدرسته الغاضبة، وبغرفة الحطب التي حبسته فيها عندما كان يغشُّ في الامتحان. يتذكّر: «إنه الاختبار الأول للخوف، ولا يزال ذلك الخوف يرافقني حتى اليوم».

كان يخبّئ مصروفه اليومي، ليشتري كرات اللعب الزجاجية الصغيرة، ثم يركض ليدفنها قرب شجرة سنديان ضخمة، ظناً منه أن تلك الكرات ستنبت على شكل شجرة، وتثمر كرات كثيرة، يصبح هو مالكها الوحيد. ظلّ يحمل شغفاً تجاه تلك الكرات حتى الآن، إذ يستعيض عنها بسُبحة من حبات زجاجيّة، يتسلّى بها، ويتذكر حلمه الأسطوري القديم.
علاقته بوالديه تختلف اختلافاً جذرياً بين الأب والأم. فوالده كان يعني الخوف القادم مع «زمّور» سيارته الذي يجعله يختبأ تحت أقرب كرسي، خوفاً من العقاب الذي كان يلحق به بعد فصول شقاوته المعتادة. أمّا والدته، واسمها سوريا، فقد كانت ولا تزال صديقة حنونة و«اختصاراً حقيقياً للوطن».
توسّط مروان عائلة مؤلّفة من أربع بنات وولدين. عاش مع عائلته في حي كيوان الدمشقي، تحديداً مكان «فندق الشيراتون» اليوم. هناك، كان يفترش الأرصفة، ويقطع مئات الأمتار في الساحات والطرقات المزدحمة عدواً، ليتصيّد الفرح من نسمات الهواء الطلق. أما هوايته المفضلة، فكانت قضاء أطول وقت ممكن في ساحة الأمويين، قبالة مبنى «التلفزيون السوري» الذي يبعد عن بيته مئات الأمتار فقط. كان يراقب نجوم ذلك الزمان من فنانين وإعلاميين، يدخلون المبنى الذي لطالما حلم بدخوله أيضاً. وهذا ما حصل بالفعل.
بعدما حاز الشهادة الثانوية، دخل مروان التلفزيون السوري ليتدرّج في مهمات عدة، قبل أن يصير مساعداً لأهم مخرجي التلفزيون آنذاك. في أحد الأيام، وبينما كان الجمهور السوري ينتظر الحلقة الأولى من برنامج «الثلاثاء الرياضي»، مع الإعلامي الراحل عدنان بوظو، كان من المفترض أن يتولى بسام الملا مهمة الإخراج، لكنّ الملا اتصل بمروان بركات، وطلب منه الحضور على عجل، لأنه مضطر إلى السفر! هكذا، تسلم بركات إخراج الحلقة الأولى من البرنامج الجماهيري، واجتاز الاختبار بنجاح... ليفاجأ بالملا يراقب سير العمل من بعيد، وقد اختار أن يضع بركات تحت الأمر الواقع، لينقله عنوةً إلى العالم الفعلي لمهنة الإخراج. وضعته تلك المصادفة على سكة المهنة... تقاطعت دروبه مع درب دريد لحام، لينجز معه برنامجين إرشاديين تخللتهما مشاهد درامية، كما أخرج دورات من «مهرجان المحبة» للتلفزيون، وأول فيديو كليب للمطرب وليد توفيق، إضافةً إلى وثائقي بعنوان «رحلة الوطن الأبجدية»، عرضته مجموعة من المحطات العالمية.
أوّل أعماله في ميدان الدراما كان «عودة غوار» مع دريد لحام عام 1998، لتكون الانطلاقة الفعليّة لمروان بركات مع مسلسل «أبناء القهر» لهاني السعدي عام 2002، تلاه «عصر الجنون»، ثم «أحقاد خفية»، و«جمال الروح»، ليكلِّل تلك المسيرة بنجاح متميّز، مع «سحابة صيف» عام 2009. «أعدّ هذا العمل نقطة تحول في حياتي، فقد سبق أن قدمت مجموعة أعمال من النوع ذاته، ثم جاء هذا المسلسل لينقل القطار إلى محطة جديدة. ربما صرت فيها أكثر نضجاً وعمقاً بعد تجربة السنوات التي مرت».
يحتفظ مروان بركات بقدر عالٍ من المسؤولية تجاه أعماله. الشهرة، والشراكة مع أسماء مهمة في الوسط الفني، لم تغيّرا شيئاً من حماسته، ورهبته، وسعيه نحو الكمال. «حتى اليوم أترقّب عرض مسلسلاتي بكثير من القلق، كأنني عاشق خائف تجاه رد فعل المشاهدين»، لكنّه، في الوقت عينه، يخفي أيّ تعاطف مع الممثلين أثناء التصوير، وهذا ما جعله ذات مرّة على شفير الانهيار العصبي. عندما كان يصور أبناء القهر تأثر بمشهد الأب المشلول (رياض نحاس) وهو يلقي بكامل جسده على جثة ابنه (ميلاد يوسف) الذي فارق الحياة بسبب إصابته بـ «الإيدز». حبس بركات دموعه وأخفى انسجامه لدرجة جعلته يفقد أعصابه، فابتعد عن موقع التصوير، ليترك فرصة لدموعه كي تنهمر بغزارة.
بعيداً عن المهنة، لم يعرف المخرج السوري الحب إلا مرة واحدة. كانت الحبيبة الأولى هي الأخيرة، ورفيقة الدرب، والزوجة، وأم ولديه. منذ الصغر، نسج مروان حبه لابنة الجيران، وحلم بأن يبادلها الورود على رمال الشاطئ. رافقه صوتها بين الآبار، وعشق لأجلها المطر. كانت حبيبته في الصف الأول الابتدائي عندما كان هو في الثالثة عشرة من عمره. كان يتهافت ليحمل عن والدها حاجات المنزل، عساه يلتقي عيني حبيبته التي صارحها بحبه لأول مرة بعد سنين طويلة. لم يفرّقهما الاختلاف الطائفي كما كان يحصل مع قصص حب عديدة، بل ارتبطا ليؤسّسا أسرة جميلة.
في مكتبه المتواضع في دمشق الجديدة حيث التقيناه، راح يتباهى بمكتبته. يراهنك على أنّها تحوي كلّ روائع السينما العالمية وكلاسيكياتها. ينظر إلى هذه الأعمال على «أنّها مدرسة حقيقية، أمام عدم وجود أكاديميات لتدريس الإخراج في سوريا». تحتوي مكتبته الأثيرة أيضاً على كامل مؤلفات دوستويفسكي. هنا يتحسر على أحد أحلامه الضائعة. كان ينوي تحويل رواية «الأخوة كارامازوف» إلى مسلسل، لكن «شركة سامة» سبقته وبدأت الإعداد لهذا العمل.
اليوم، يضع مروان بركات اللمسات الأخيرة على مونتاج مسلسله «السراب»، الذي كتب نصّه الثنائي حسن سامي يوسف ونجيب نصير، وتنتجه «شركة الجابري». يقول ممازحاً: «لقد شرّدنا النص وجعلنا ندور على أكثر من 184موقع تصوير في مجتمعات القاع».
في الحياة اليوميّة مروان قليل الكلام وقليل الأصدقاء. ويكاد يختصر له الفنان بسام كوسا عالم الصداقة. اعتاد أن يراه كل يوم، وحين تسأله عن ذلك يرفض تقويم هذه العلاقة. شيء من الصدق والخجل. في ما يخص أخبار الربيع العربي، يختصر رأيه بجملة واحدة: «تحية لثورة تونس ولثورة الشباب في مصر، لأن الشعب هناك كان صاحب المبادرة». في الثورات الأخرى، من تراه يكون «صاحب المبادرة» إذاً؟




5 تواريخ

1963
الولادة في دمشق

1984
دخل التلفزيون السوري وبدأ يتدرج في مهمّات عدة

1998
أنجز مسلسل «عودة غوّار ـــــ الأصدقاء» مع دريد لحام، والراحل ناجي جبر، وحسام تحسين بك

2002
الانطلاقة الحقيقية له كمخرج من خلال مسلسل «أبناء القهر» الذي نال الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة وحصل على تنويه من الـ «يونيسيف» في العام ذاته

2011
أنهى تصوير مسلسل «السراب» عن نص لحسن سامي يوسف ونجيب نصير