يروي نجيب طاهر في «رُكب» حكايته بين المطارات، من خلال ممثل يعود إلى الأراضي المحتلة عشية الذكرى الأولى لـ11 سبتمبر. حوارية تسرد الانتهاك اليومي للذات الفلسطينية

يلج الباب ليقف بين صفّي المقاعد الممتدة حتى آخر الطائرة. ترمقه عيون الركاب بنظرات تجعله متّهماً محتملاً. يتكرر هذا المشهد في الكثير من المطارات. أمّا على الخشبة،

فيواصل خليفة ناطور تحريك يديه كأنّه يشد شراعاً، فكل ما يريده أن لا يغرق...
في مونودراما «رُكَب» (اسم شارع في رام الله) يحكي الكاتب المسرحي الفلسطيني نجيب طاهر حكايته بين المطارات. الممثل خليفة ناطور يؤدي الحكاية، على شكل حواريّة مع الذات على الخشبة، أخرجتها أوفيرا هنيغ. شاركت هذه المسرحية في مهرجانات عالميّة عدة، ووصلت أخيراً إلى «مسرح الميدان» في حيفا، حيث عُرضت ضمن برنامج «ربيع الثقافة والشعوب العربية»، وستقدَّم لاحقاً في عدد من المدن. اللافت في هذا العمل أنّ النص يتداخل مع ارتجال مؤديه خليفة ناطور المولود في قلنسوة. تكاد المسرحية تكون جزءاً من حياة يعيشها بتفاصيلها. فهو حين يركب حافلة في الطريق إلى «تل أبيب» ويجيب على هاتفه الخلوي بلغته العربية، يلتفت جميع من في الحافلة إلى مصدر الصوت. لم تتأخر إحداهنَّ ذات مرة بمطالبة السائق بتفتيشه لأنه إرهابي وفق حدسها! وهنا تتسع المسرحية لتحكي حياة الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، وحياة كل الفلسطينيين، بل وكل عربي موسوم بتهمة شكله ولغته، وخصوصاً بعد 11 سبتمبر. إنها سيرة تجمع بين تجربة الممثل، وتجربة صاحب النص نجيب طاهر.
يقصّ الناطور شطراً من حياة ممثل مسرحي يسافر من باريس إلى «تل أبيب»، عشية الذكرى السنوية الأولى لاعتداءات أيلول (سبتمبر) 2001. يصل البطل للعمل في أحد مسارح رام الله، فيجد نفسه وجهاً لوجه مع مَنع التجول، وجثث الشهداء، والشباب الواجم في الفراغ، والطائرات التي لا تكل أزيزاً وقصفاً. تركّز المسرحية على قضية الفلسطيني حامل جواز السفر الإسرائيلي، وكيف يتحوّل إلى منتهك أو «مركوب»، من الغزاة ـــــ المغول مروراً بالصليبيين والعثمانيين وحتى الصهاينة ـــــ ومن كل رجال الأمن البارعين في اصطياده من بين آلاف المسافرين، ومن الشرطي الإسرائيلي الذي يرى فيه «عربياً»، سيفجّر عليه كامل عنصريته. أمّا هو، فلا يمتلك إلا التذمر: «ليش أنا؟».
في المسرحية، نعود إلى أيام انتفاضة الأقصى، حين يأتي الجمهور إلى المسرح في رام الله لمشاهدة مسرحية الزير سالم. «الكل يبحث عن بطل». وبعد مشهد الزير ينزل في أبناء عمومته طعناً وقتلاً، يخرج الممثل إلى الشارع ليجد الشهداء مضرجين بدمائهم، فيختلط العالمان. هنا، تنهشه التساؤلات عن البطل والخلاص، ويعود السؤال المكرر خانقاً: «ليش أنا؟».
يحط «المسافر المركوب» في أرضه، ليحكي قصته أمام جمهور فلسطيني يبادله النظرات والضحكات والحسرة. بين عكا وحيفا ومجدل شمس، تلبس السخرية سواداً أحلك. محاولات الطفو على السطح همّ الجميع هناك. والسؤال عن بناء القارب والبحث عن اليابسة يوميّ، لحظة بلحظة، والكل يرنو إلى الخلاص...