يصوّر الفنان اللبناني وليد رعد (1967) الواقع ويتنصّل منه. يلتقطه، ينغمس في بشاعته، ويذهب به إلى توظيفات تعيد بناء واقع مواز لا يقلّ تأثيراً عن الواقع نفسه. هذه العلاقة الملتبسة مع الواقع منحَت أعمال رعد بعداً تفكيكياً للكثير من المشاهد الكليّة والصور المألوفة العالقة في الذاكرة. رعد الذي تعقّب خلال مشواره المهني وحش الحرب الأهلية اللبنانية، لم يتورّط في فجائعية تلك السنوات القاسية. لم يستدرجه الواقع إلى ردود فعل بصرية مكشوفة ومكرورة. نتلمّس في أعماله الدمار الحاصل، ونتواجه مع نتائج سياسية وإنسانية مؤرّقة. نجد آلاف الضحايا في صورة رعد من دون قطرة دم واحدة.


على نحو متفرّد، استطاع وليد رعد بناء شكل خاص للصورة الفوتوغرافية، أسّس عبره لعلاقة عميقة ومتشعبة بين الشكل والموضوع والوثيقة التاريخية. ثمّة زمن دقيق يمسك بمفردات العمل، لكن في الوقت نفسه، لا يتغوّل الزمن والتوثيق في المعالجة الفنية للصورة التي يمكن الدخول إليها من أبواب خلفية. تفتح أعمال هذا الفنان المقيم بين نيويورك وبيروت، باب الجدل في قضايا الإدراك البصري والذاكرة والعنف والوهم. من هنا، كان فوزه بـ«جائزة هاسلبلاد» Hasselblad السويدية لعام 2011 (150 ألف دولار) نتيجة متوقّعة لمشروع برز في السنوات الأخيرة، فرض حضوره ولمسته على نطاق عالمي واسع.
منذ 1989، أطلق رعد مشروعه البصري الخاص «أطلس غروب». من خلاله، نفد إلى جملة من القضايا الاختبارية والتجريبية حول مفهوم التأليف البصري، وآليات إنتاج الصورة على نحو يخوّلها إعادة بناء التاريخ لا تعقّبه وتوثيقه. حمل هذا المشروع على كاهله البحث في الراهن والماضي اللبنانيين، وخصوصاً سنوات الحرب الأهلية (1975 ـــ 1990). لكنّ المتتبع لخصوصية هذا البحث الذي تنوع بين الصورة والفيديو والنصوص والفن الإنشائي، سرعان ما سيكتشف أنّ رعد يقودنا إلى نقطة عمياء مربكة. ستبدو هناك مسافة مقصودة بين الصورة والحقيقة. هل يمكن الصورة الموثقة أن تكذب أيضاً؟ سؤال تفرضه محاولات رعد المتكرّرة لإيجاد مساحة من التشكيك وانعدام الثقة والعبث في التعاطي مع منتجه البصري، وهي عناصر يمليها الظرف السياسي اللبناني وربما لا يزال.
الوقوف مثلاً أمام شخصيته المختلقة التي عرفت باسم المؤرخ فضل فاخوري، يحيلنا إلى تلك اللعبة المضمرة لوضعنا في منطقة ملتبسة بين الوهم والحقيقة. ثمّة فراغات كثيرة في عقولنا يمكن أن تكون أرضاً خصبة لتقبل المزيد من الأوهام والأساطير والاقتناعات الطارئة. أراد رعد من هذه الشخصية أن تكون نموذجاً للتمسك بالحياة، وسط خيبات أمل متلاحقة. «بدايات عجيبة» هي مجموعة أفلام صوّرها فاخوري (الافتراضي) في لبنان كلّما ظنّ أنّ الحرب الأهلية توقفت. وطبعاً، جميعنا يعرف عدد المرات التي أعلن فيها توقف الحرب بين الفصائل المتقاتلة، لتعود وتتجدد بوحشية مضاعفة. وكم هي المرات التي كان على فاخوري أن يصوّر نهايات افتراضية تعقبها خيبات مضاعفة.
يمكن القول إنّ هذا الفنّان اللبناني يضعنا أمام الوجه الآخر لفكرة التأريخ والتوثيق. الحقيقة ليس لها وجه واحد، ولا يمكن التعاطي معها بصورة مجردة. التزوير، والمنفعة، والعاطفة، والأدلجة، والعجز، وإرضاء الذات، جيمعها عناصر يمكنها أن تتداخل في تأريخ الأحداث على اختلاف أنواعها. ليست هناك حقيقة حقيقية بالمعنى المطلق. من هذا المنطلق، أخذ مشروع رعد «أطلس غروب» أهميته الكامنة في رفضه الواضح للمُسلّمات، ومحاولات التطهر من الدم والدمار والعنف الذي عاشه لبنان لسنوات طويلة، لكنّه لا يواجه العنف بعنف مماثل. صورته بلا أشلاء. كل ما سنراه عبر أكثر من 100 صورة بالأبيض والأسود بعنوان «رقبتي أرفع من شعرة»، محركات سيارات صمدت بعد انفجارها. ليسوا شهود زور على الزمن المرعب للسيارات المفخخة. تحمل هذه المجموعة من الصور الكثير من العنف والدموية المتجسدين في هذه المحركات السوداء المرفقة بنصوص ومعلومات مكتوبة. يكفي النظر إلى أحد هذه المحركات السوداء القذرة، لنشعر بدفء دم عشرات الضحايا الذين سُرقت أعمارهم بغمضة عين. الصورة هنا صارت مفخخة أيضاً.
لا تخلو أعمال هذا الفنّان الإشكالي من بعد أيقونوغرافي. شخصياته والتقاطاته تعيدنا إلى الشكل الذي كانت تظهر فيه صور الحروب العالمية. إلا أنّ لعبته المستمرة في خلق تأثيرات خاصة ومباشرة في بنية الصورة، تذكرنا دوماً بأنّ ثمة خدعة في مكان ما. الصورة ليست كما تبدو. الهزل يفتح باب العبث على مصراعيه. في فيلم قصير بعنوان «كلا، المرض ليس هنا ولا هناك»، سنشاهد الانتشار المدهش لافتات أطباء الأمراض النفسية، والعظم، وهما من أكثر التخصصات التي تزدهر خلال الحروب. اللقطات السريعة لإعلانات هؤلاء الأطباء كافية لندرك الجحيم المعيشة.
جعل رعد من مشروعه البصري أرضية ومنطلقاً لإعادة النظر في مفاهيم كثيرة مرتبطة بالعنف والذاكرة والصراع البشري في شكله الغريزي. الانحياز للتأريخ لا يأتي إيماناً به، بل بمثابة عملية تشريحية، وفتح أقنية ومسارات لحقائق افتراضية، وتاريخ جديد يصنعه الضعفاء.
www.theatlasgroup.org