شخصان استثنائيان شكّلا وعيه المبكّر: والده الدركي، والياس مرقص. الأوّل زرع في شخصيته فكرة العدالة، والثاني علّمه جوهر الماركسية. لكن ميشيل كيلو يبدأ باستعادة تفاصيل عن حياة والده. يروي لنا سيرة ذلك الذي تطوّع في الدرك السوري في ثلاثينيات القرن العشرين، وانتهى رئيس مخفر مغضوباً عليه. خلال جولة في الساحل السوري، سأله الرئيس شكري القوتلي عمّا يحتاج له المخفر، فما كان منه سوى أن أجاب بأن الشعب فقير... وكانت مكافأته على هذه الجملة الذهبية، الحبس 45 يوماً. هذا الدركي العنيد الذي كان يقدّس ستالين، ويحمل الطعام إلى سجناء المخفر، ويرفض قمع التظاهرات ضد انقلاب الشيشكلي، سيذوق طعم السجن مرةً أخرى، وسيبقى منتظراً قدوم ستالين، بين انقلاب وآخر، ليحقّق العدالة الإلهية على الأرض... لكن من دون جدوى.

ابن العاشرة الذي سمع من الأب أسماء محمد عبده ونابليون وباسكال وجان جاك روسو، وجد نفسه بعد سنوات في صفوف الحزب الشيوعي، ثم عتّالاً في المرفأ، يتشارك مع العمال في تعاستهم، وفي لقب «رفيق». انخرط في التظاهرات والصراعات الحزبية والسجالات الحامية، وصولاً إلى اتهام الآخرين بالعمالة والجاسوسية. كراهيته لاستبداد عبد الناصر، انتهت بنوبة بكاء إثر إعلانه تأميم قناة السويس.
في مدرسة تجهيز اللاذقية، سيدهشه كلام آخر مغاير، على لسان معلم، عاد للتو من بلجيكا، هو إلياس مرقص. «علّمني الفرق بين الستالينية والماركسية، وأنّ الرافعة الأساسية هي الفكرة القومية، وأن السياسة ليست نصب فخاخ». ويضيف: «أُصبت بفصام سياسي نتيجة اختلاط الأفكار في رأسي». هذه الحيرة بين أفكار خالد بكداش الأممية، وميشيل عفلق القومية، وخطابات جمال عبد الناصر التحررية، شكّلت خلفيّة صاخبة للشاب المتحمّس الذي استسلم لغواية الأفكار والقضايا الكبيرة... لكنّ صداقته لمرقص وضعته على مفرق حياة، وعلّمته معنى المواطنة والديموقراطية والحرية، وقبل ذلك كله، معنى الاختلاف. هكذا انفصل روحياً عن الحزب الشيوعي، وغادره تنظيمياً في عام 1961، وكان حصوله على منحة لدراسة الصحافة في القاهرة (1958)، حلّاً سحرياً للخروج من هذه الشرنقة. «في القاهرة، أُصبت بصدمة الحداثة. كانت نقلة عظيمة في حياتي: معارك فكرية، وتيارات، وكتب، وأضواء، وشجارات، إحداها كانت مع صدّام حسين الذي كان يدرس حينذاك في جامعة القاهرة». بعد الانفصال بين سوريا ومصر، طرد من القاهرة بتهمة الشيوعية، فغادر إلى ألمانيا الغربية، ليكمل بعثته في السنة التالية...
وهناك سيعيش صدمةً أخرى. «اكتشفتُ أن الرأسمالية لا تحتضر، كما كان يصلني عبر الرواية الرسميّة الآتية من موسكو. تنبهت إلى حراك مجتمع حيّ، يعيش برفاهية وحرية، لا نظام استغلال وحسب. وحين عدت من ألمانيا، كنت متحرراً تماماً من عقدة الاتحاد السوفياتي، وإن بقيت عواطفي مع الشيوعية بما هي فكرة». ذات يوم خلال إقامته الألمانيّة: «زارني زميل جامعي في غرفتي وأخبرني بأن إسرائيل ستشنّ قريباً حرباً على العرب، وستهزمهم. اكتشفت أنّه إسرائيلي ورشقته بمقلاة البيض».
حين عاد إلى دمشق أواخر عام 1966، وجد مناخاً غائماً: «أحزاب تحتضر، ومعارضة داخل الأحزاب، وحماسة للحرب التي ستنتهي بهزيمة مدوّية». انصرف ميشيل كيلو إلى عمله مترجماً في وزارة الثقافة، فنقل إلى لغة الضاد، أعمالاً فكرية مهمة «من هيغل إلى نيتشه»، و«الديموقراطية الأوروبية»، و«الدولة والطبقة»، و«لغة السياسة»، وصولاً إلى عناوين أخرى لافتة... لكن السياسة كانت البوصلة التي تقود خطاه، وهي التي ستأخذه إلى المعتقل مطلع الثمانينيات، على خلفية سجالات ساخنة بين المثقفين والسلطة. تجربة المعتقل تلك ستطبع مسيرته الفكريّة والسياسيّة، ليصبح من أبرز رموز المعارضة السوريّة. يكتفي لشرح هذا المسار بجملة واحدة مكثّفة، أقرب إلى برنامج سياسي يصلح لكل الدول العربيّة: «كنتُ ولا أزال داعية حوار بيدٍ ممدودة، وعقلٍ مفتوح، لتحقيق المواطنة بمعناها القانوني». إثر اعتقاله الأول، غادر إلى باريس، في نوع من استراحة المحارب، عمل في الصحف المهاجرة، كما درس علم الاجتماع في السوربون. «في باريس اكتشفت حال التفسخ العربي، وفكرة الحرية، وأمراض المثقفين العرب في المنفى، فانصرفت إلى عزلة اختيارية».
لكن انشغالات هذا المفكر السوري ستتمحور لاحقاً حول تأصيل فكرة المجتمع المدني، وفكرة المواطنة، بوصفهما الحل للمأزق البنيوي الذي تعيشه الأحزاب والأنظمة العربية: «هذه الأنظمة التي دخلت حقبة ما بعد الاستبداد، محتفظة بتكوينات ما قبل مجتمعية». ويضيف بحماسة: «أعيش هذه الأيام أسعد أوقات حياتي، فالثورات المشتعلة في أكثر من عاصمة عربية أعادت إلينا الروح بصفتنا جيلاً ناضل طويلاً من أجل هذه اللحظة، وها نحن نقطف الثمار... كنت يائساً، وقد فاجأني الزمن الآخر. لم نتنبأ بما حصل، لكنّنا الآن نقطع مع ماضٍ مستبدّ، وندخل عصراً جديداً، وعتبة تنوير تشبه ما حصل في أوروبا قبل قرون، وكل ما عدا ذلك «علاك مصدّي»، فهؤلاء الشباب الذين فجّروا الثورات، لم يأتوا من كوكب المريخ».
لكن من هو ميشيل كيلو الآخر؟ يجيب ضاحكاً: «كدت أن أكون شاعراً، لو لم أنتسب إلى الحزب الشيوعي... كما كتبت روايتين عن فترة اعتقالي، لم أنشرهما، وكنت قارئاً نهماً للأدب. في المعتقل قرأت أدب أميركا اللاتينية، لكن الواقع أغنى من احتمالاته، بدليل هذه الريح التي هبّت على جغرافيتنا بعدما اقتنعنا بأنها مستقرّة». يرى أننا بحاجة إلى أكثر من دوستويفسكي عربي، كي يكتب ويشرّح أوجاع الواقع: «بعد نجيب محفوظ، لم يفرز الأدب العربي قامةً كبيرة في بناء عالمٍ موازٍ لهذا الواقع المتشظّي».
لا يرى ميشيل كيلو نفسه سياسياً محترفاً. «عالم السياسة فاسد، لذلك انخرطتُ في الشأن العام. ولعلّ وجود خمسين مثقفاً فاعلاً، أهم من أي حزب». يصمت قليلاً ثم يقول: «ما أحوجنا إلى مفكرين مثل إلياس مرقص وياسين الحافظ، لتصحيح أخطائنا المتراكمة، وغربلة مصطلحات كثيرة، أعاقت خطواتنا إلى المستقبل». في هذا السياق، التفت ميشيل كيلو أخيراً إلى ترجمة أعمال ماكس فيبر لاستكمال مشروعه الفكري، وسينتهي قريباً من تعريب مؤلَّفين مرجعيين لهذا المفكر الماركسي: «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، و«كتابات خلال الحرب العالمية الأولى». كما يعمل على مشروع بحث طويل عن «تجربة المجتمع المدني في سوريا»... أما يوم الجمعة، فهو مخصص للعب النرد في «مقهى الروضة» بوصفه «راحة ذهنية»، وربما مبارزة فكرية من نوع آخر... مع أصدقائه القدامى.




5 تواريخ





1940
الولادة في اللاذقية (سوريا)

1955
انتسب إلى «الحزب الشيوعي السوري»

1958
دراسة الصحافة في القاهرة

1981
بداية تجربة طويلة مع المعتقل السياسي

2011
يستعد لإصدار كتاب بعنوان
«تجربة المجتمع المدني في سوريا»