سعد الله ونّوس على سريره الأخير. قطرة قطرة تتسرّب الحياة، وونّوس يقول: «يذهب جيل إلى نهايته»، ثمّ يختم «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدّث عنها المرء». الجملة الأخيرة من فيلم عمر أميرلاي، أعطت الشريط عنوانه. تبدو تلك الجملة اليوم صالحة لتكون جملة السينمائي السوري الذي غادرنا فجأة الشهر الماضي. كانت عدسة أميرلاي تسجّل ما قاله ونّوس عن الأنظمة العربية التي تتعامل مع شعوبها بوصفها «كمّاً بشريّاً لا يجد ما يفعله إلا أن يطأطئ رأسه، ويقول نعم». الآن هناك من يقول «لا»، وهناك الكثير ممّا كان يمكن أميرلاي أن يحدّثنا عنه.

بيروت ستتذكّر السينمائي السوري المستقلّ ضمن الدورة السابعة من «مهرجان شاشات الواقع» الذي تنظّمه جمعيّة «متروبوليس» ابتداءً من الليلة، بالاشتراك مع «البعثة الثقافية الفرنسيّة» في لبنان. هل هناك ما هو أكثر طبيعيّة من أن تكرّس التظاهرة المتخصصة بالفيلم التسجيلي والوثائقي، فسحة مهمّة لرائد السينما التسجيلية العربيّة الذي غادرنا قبل الأوان؟
على البرنامج هذا العام أفلام من مصر، وسوريا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وتشيلي، والبرتغال، والهند، والبرازيل، وأوكرانيا، وإندونيسيا، ستحتضنها «متروبوليس أمبير صوفيل» طوال أسبوع، على أن تكون مسك ختامه أمسية بعنوان «تحية إلى عمر أميرلاي».
عند السادسة من مساء الأحد 27 آذار (مارس) الجاري إذاً، سيتحلّق أصدقاء السينمائي الراحل للحديث عن مسيرته في لقاء خاص (راجع المقالة أدناه)، يليه عرض لآخر أعماله «طوفان في بلاد البعث» (2003)، وبعده شريط «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» (1997)، بحضور منتجة العمل، صديقة الراحل، السينمائيّة السورية هالة العبد الله...
في هذا الفيلم، ستمرّر قطرات «السيروم» في جسد سعد الله ونّوس تاريخاً كاملاً. وأوّل ما سيظهر خلفها، صورة بانورامية لدمشق، والمسرحي العتيق يحكي لنا كيف سرقت اسرائيل «أجمل سنين عمره». مزاج جنائزي ينسحب على الشريط، لا بسبب المرض، بل لأشياء كثيرة، تتضح تباعاً. مع كل قطرة تطفو صور: عبد الناصر، نكسة 1967، السادات وكامب دايفيد...
هكذا، يتوالى سرد المسرحي الكبير، وتماهي سيرته مع الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» هو في الخلاصة فيلم عن ونّوس وإسرائيل، وعن جيل ونوس مختزلاً بشخصه، بوصفه مسرحياً ومثقفاً وإنساناً. إنه هو من سيكتب لدى زيارة السادات إسرائيل «أنا الجنازة والمشيعون». سيخبرنا كم كان يوماً مشمساً، وهو يسعى إلى تعتيم غرفته، والشمس تعتدي عليها. مع تلك الزيارة، ستكون محاولة انتحاره الجدية الأولى، وهو أيضاً من سيؤرّخ مرضه وإصابته بالسرطان مع حرب الخليج الأولى. يمكن اتخاذ كلمة «الخيبة» مفتاحاً لفيلم أميرلاي، وونّوس يتنقّل فيه من خيبة إلى أخرى ولا يلاقي إلا «الخفقة السوداء لأعلام الخيبة». يتماهى التاريخ مع الشخصي تماماً، بحيث تصير سيرة ونّوس في الفيلم سيرة مرحلة متشابكة بالمطلق مع الأحداث التي كان شاهداً عليها، من دون ذكر المسرح، إلا بوصفه معبراً. سيتحدّث حصراً عن مسرحية «الاغتصاب»، لتكون المشاهد معبراً إلى قراءة ونّوس للصراع.
يحكي ونّوس في «هناك أشياء كثيرة...» عن تلازم مناهضته لإسرائيل مع انغماسه في حلم تحديث سوريا، ويترافق ذلك مع مشاهد من «الحياة اليومية في قرية سوريّة» (1974). الأمر ذاته شغل عمر أميرلاي في وثيقته الأولى «محاولة عن سدّ الفرات» (1970)... لكن «الخفقة السوداء لأعلام الخيبة» سترفرف لاحقاً، بعد مرور 33 عاماً على باكورته، حين أنجز آخر أعماله «طوفان في بلاد البعث».
في بداية الشريط، نسمعه يقول: «عام 1970، كنت من مؤيّدي تحديث بلدي سوريا بأيّ ثمن، ولو كان الثمن تكريس فيلمي الأول للإشادة بأحد منجزات «حزب البعث» وهو بناء سد الفرات». ثمّ يلوم نفسه على ذلك الأمر لاحقاً، «مع انهيار أحد السدود، وتشقق سدين»... كأنّنا به يعود إلى المناطق نفسها التي صوّرها في السبعينيات. يواصل أميرلاي السرد بصوته، كأننا في صدد سيرة ذاتية لا تنفصل عن سيرة بلاده: «حول بحيرة الأسد، يمتدّ اليوم بلد اسمه سوريا الأسد» يقول. ينتقل بعد ذلك للتركيز على قرية «الماشي» التي يحكمها زعيم عشيرة نائب في البرلمان، يساعده ابن أخيه أمين الحلقة الحزبية، ومدير المدرسة في القرية...
يتمركز فيلم «طوفان في بلاد البعث» حول سرد الشيخ دياب الماشي، ثم يمضي إلى ابن أخيه خلَف الماشي، وذلك في الفترة التي تلت وفاة الرئيس حافظ الأسد وتولّي بشار الأسد الحكم. هنا يتحرك الفيلم على مستويين سرديين متوازيين: الأول ما يرويه خلف الماشي عن المبادئ البعثية التي تغرس في طلاب المدارس، بينما يأتي الثاني تعقيباً تجسيدياً لما يرويه من خلال توثيق ما يتعلّمه الطلاب من أغان وأناشيد وشعارات، ممزوجة بأجواء من عسكرة كلّ شيء: «استعد استرح»، ولازمة الفيلم المتكررة «بعث، بعث، بعث». أميرلاي يستثمر ما يرويه. يصوغه بالاتكاء على موقع التصوير، وزاوية الكاميرا، مقارباً منطق خلف الماشي... ثم لا شيء إلا ما يتعلمه الطلاب. ما بدأ به مسيرته في تسجيل بناء سد الفرات، سيجد ما يناقضه تماماً في ما يتعلّمه التلامذة في المناهج الدراسية. نسمع التلامذة يتناوبون على قراءة توصيف نهر الفرات قبل السد وبعده. هذا مثال من بين أمثلة أخرى كثيرة، يريدها أميرلاي مطواعة، توثّق لجيل لا خيار أمامه سوى أن يكون طليعياً في «طلائع البعث»، ثم عضواً في «شبيبة الثورة». كأنّ ذلك استكمال لما يطالعنا به الشريط منذ البداية... ليصير نوعاً من وثيقة إثبات شخصية لما تنصّل منه المخرج في البداية.

«شاشات الواقع» في بيروت: 21 ــــ 27 آذار (مارس) الجاري
* «طوفان في بلاد البعث»: 8:00 مساء الثلاثاء 22 الجاري
* «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدّث عنها المرء»: 9:00 مساء الأحد 27 آذار الجاري ــــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (بيروت). للاستعلام: 01/240080 ــــ www.ccf-liban