قد تكون المقاربة بين البحث في الفضاء والبحث عن البقايا الإنسانية في الصحراء مقاربة شعرية مباشرة. لكنّ السينمائي التشيلي باتريسيو غوزمان (1941) وظّف هذا المجاز في فيلمه الوثائقي «نوستالجيا للضوء» (2010، ساعة ونصف) بنحو ذكي ومؤثر. ليست شوارع تشيلي الشاهد الوحيد على مآسي حقبة بينوشيه الديكتاتورية، بل صحراؤها أيضاً. هذا ما تؤمن به مجموعة من النساء ما زلن يبحثن منذ الثمانينيات عن مقابر جماعية لأقربائهنّ في صحراء آتاكاما التشيلية. غوزمان، السينمائي المعنيّ بتاريخ تشيلي السياسي، يوظّف هنا السينما بصورتها الشعرية في دراسة صوريّة للذاكرة، عرضت ضمن المسابقة الرسميّة لـ«مهرجان كان» عام 2010.

باتريسيو غوزمان، المولود في العاصمة التشيلية سانتياغو، مخرج وثائقي مميز بلا شك. فيلمه الوثائقي الطويل ذو الأجزاء الثلاثة «معركة تشيلي» (1975، 1977، 1979) أدهش العالم في تتبّعه للتوتر السياسي في بلاده منذ بدايته، حتى انقلاب بينوشيه على حكومة سلفادور ألليندي الاشتراكية المنتخبة ديموقراطيّاً. ظروف العمل كانت مدهشة أيضاً، بإمكانات متواضعة جداً، وعلب أشرطة تبرّع بها المصوّر والسينمائي الفرنسي كريس ماركر، نظراً إلى استحالة حصول غوزمان على أفلام خام حينذاك بسبب التضييق السياسي والاقتصادي. لاحقاً، هرّب المخرج التشيلي المادّة المصورة، ووقع في الأسر، ثمّ هرب مع طاقمه البسيط إلى كوبا لتجميع الفيلم وتحريره. ومع عرض العمل، فرض غوزمان نفسه واحداً من أهم الوجوه في سينما أميركا اللاتينية الجديدة.
أفلام غوزمان الوثائقية اللاحقة تابعت الاهتمام نفسه بتاريخ تشيلي وأميركا اللاتينية، من «باسم الآب» (1987) الذي يتتبّع دور الكنيسة الكاثوليكية التشيلية في مناهضة حكم بينوشيه، مروراً بـ«صليب الجنوب» (1992) عن الدين في أميركا اللاتينية، و«تشيلي: الذاكرة العنيدة» (1997) عن عودة غوزمان إلى بلاده ومحاولته استرجاع ذكريات نظام ألليندي، وصولاً إلى «قضية بينوشيه» (2001) و«سلفادور ألليندي» (2004). ما يهمّ غوزمان في أفلامه الوثائقية هو العلاقة بين الذاكرة وتاريخ أميركا اللاتينية عموماً، وخصوصاً تاريخ تشيلي في مخاضها السياسي القاسي، وجروحها المفتوحة إلى اليوم. من هذا المنطلق، تأتي المقاربة الشعرية في جديده «نوستالجيا للضوء» الذي عمل عليه لأربع سنوات، ويفتتح عروض «مهرجان شاشات الواقع» مساء اليوم.
في صحراء آتاكاما التشيلية، وهي الأكثر جفافاً على الأرض، نوعان من البحث: علماء يدرسون الفضاء، ومجموعة من النساء يبحثن عن عظام أقربائ لهنّ، يقال إن نظام بينوشيه دفنهم في مقابر جماعية هناك. مقارنة مادة الكالسيوم المشتركة بين عظام الإنسان والنجوم، تضعنا في مقاربة ذكية بين علم الفلك والبحث عن الآثار، تخدم المحتوى السياسي الذي يضعه غوزمان بين مستويات الفيلم الأخرى. في أحد حواراته الصحافية، يوضح هذا جيداً: «كيف نفسر أن مادة عظام الإنسان هي نفسها الموجودة في بعض الكويكبات؟ كيف نفسّر أن الكالسيوم الموجود في هياكلنا العظمية هو نفسه الموجود في النجوم؟ كيف نفسر أن النجوم الجديدة مكوّنة من ذراتنا؟ كيف نقول إن تشيلي هي مركز رئيسي لدراسات الفلك فيما 60 في المئة من الاغتيالات التي نفّذها نظام بينوشيه لا تزال من دون حلّ؟ كيف نبيّن أن عمل المرأة التي تنقّب بيديها العاريتين في الرمل يشبه عمل علماء الفلك؟».
يبني غوزمان فيلمه من خلال المقابلات التي يجريها مع العلماء ومع بعض النساء اللواتي لم يتوقفن عن البحث في الصحراء لأكثر من 20 عاماً. أحياناً، تكون المقاربة مدهشة، فقد حفرت النساء بأيديهن تحت رمال التيليسكوب في إحدى المرات. يوضح أحد العلماء أن الزمن عبارة عن ماض ومستقبل. لا حاضر هنا. ارتباط الحنين بالماضي يأتي من ثلاث نواح في الفيلم: من الصحراء الساكنة التي تمثّل في صمتها شاهداً على الماضي، ومن ذاكرة النسوة الباحثات عن أجساد الأحبّة، ومن دراسة العلماء للنجوم بوصفها نظرة مباشرة إلى الماضي أيضاً. قد تكون بعض الاستعارات في الفيلم مباشرة، لكن يبقى «نوستالجيا للضوء» بصورته الجذابة ومحتواه العميق، مثالاً مميزاً على أهمية السينما الوثائقية وإمكاناتها الشعرية.

«نوستالجيا للضوء»: 8:00 مساء اليوم ــ «متروبوليس أمبير صوفيل»