مع عودة الأيديولوجيا الثورية إلى الواجهة في الفترة الأخيرة، وبين البحث الجدي وترهات الموضة، كان للسينما نصيب في استعادة بعض الأسماء الراديكالية إلى الشاشة. ستيفين سودربرغ استبق الأمر عام 2008، في بيوغرافيا سينمائية من جزءين عن الثائر الأرجنتيني تشي غيفارا. وتبعه الفرنسي أوليفييه أساياس في «كارلوس» المثير للجدل مهنيّاً وسياسيّاً. الفيلم التلفزيوني ذو الحلقات الثلاث الذي عرض خارج المسابقة الرسمية في «مهرجان كان»، أثار جدلاً حاداً في العاصمة اللبنانية الخريف الماضي، خلال عرضه الأوّل في ختام «أيام بيروت السينمائية»... وأخذ عليه منتقدوه تشويه صورة المناضل الأممي، ومن خلاله مرحلة كاملة من النضال ضد الاستعمار في المنطقة العربيّة... بدأ الجنريك بعبارة تؤكّد أن الفيلم «جاء نتيجة لبحث تاريخي وصحافي»، لكنّه نظراً إلى المساحات الرمادية الجدلية من حياة بطله، «يجدر بالمشاهد النظر إليه على أنه عمل خيالي». لكنّ الكثيرين رأوا، بدءاً بصاحب العلاقة الأوّل، أن بين توظيف الخيال والتزوير المتعمّد شعرة رفيعة لم يتوان أساياس عن اجتيازها...

يبدأ الفيلم من حادثة اغتيال الموساد لمحمد أبو دية في باريس، لنشاهد كارلوس (إدغار راميريز) يحط في بيروت لمقابلة وديع حداد (أحمد قعبور) وإقناعه بتوظيفه في مهمات ثورية. ينطلق الفيلم بعدها في رحلة إلى محطات مختلفة من سيرة كارلوس، وصولاً إلى عملية «أوبك» الشهيرة عام 1975. صورة الفيلم جذابة، أنيقة بألوان أفلام السبعينيات. وهنا جاءت نتيجة عمل أساياس موظفة جيداً مع صور قويّة، مطعّمة بمشاهد أرشيفية. يرافق ذلك الأداء البارع لإدغار راميريز. لكن البراعة التقنيّة تكمن خطورتها في قدرتها على التحريف التاريخي، خدمة للأيديولوجيا السائدة، أي: إعادة قراءة التاريخ من زاوية الخطاب المعادي لـ«الإرهاب»، لا من وجهة نظر نقد الاستعمار الغربي.
لكن هذا الاختلال في بنية الفيلم، لم يمنع النقاد الغربيين ـــــ كسل فكري أم تواطؤ أيديولوجي؟ ـــــ من التصفيق للفيلم بفضل عناصر التشويق والإثارة، على حساب التأريخ العادل. كثيرون وقعوا في الفخ الذي ينصبه لنا أساياس بمهارة، وبالنسبة إليهم كارلوس إرهابي وكفى. أما القضايا الشرعيّة التي ناضل ويناضل من أجلها العرب، فليست إلا أكسسوارات وديكورات واهية. الفيلم يستحقّ المشاهدة (النقديّة) بعد قراءة هذا التحذير، في انتظار أن يأتي من يصوّر تلك المرحلة الحاسمة من تاريخنا بأمانة ونزاهة، بعيداً عن النزعة التسطيحية والاستعراضيّة.

«كارلوس»: «بلانيت أبراج» (01/292192)