«ما فيش وقت» قال معتذراً عن عدم الكتابة، وعند منتصف الليل، وصل نبأ اعتقاله. محمد خير نزل إلى الشارع مثل الآخرين. ونال نصيبه. كسرت نظارته، وتورّمت عينه اليمنى، ومع ذلك بدا منتشياً لدى إطلاق سراحه، وهو يروي عبر الهاتف كابوس الساعات الأربع. كلامه ذكّرنا بفيروز في «أيّام فخر الدين»: «لا تخافوا ليست هناك سجون تتسع لكلّ الناس». وقال إن الموعد الكبير سيكون (اليوم) الجمعة.

إننا نعيش أيّاماً مدهشة. كأنه حلم هارب من إحدى السهرات التي كنتَ تسلطن فيها، فتفلش خريطة افتراضيّة للوطن الكبير، وتروح تعدنا بثورات مقبلة. ونحن نوافق. تونس قلبت الصفحة. الجزائر لم تقل كلمتها الأخيرة. عمّان تتململ. صنعاء رفعت قبضتها. وها قد جاء دور مصر، من السويس إلى القاهرة. لا تصدّقوا الخبراء الذين أعلنوا أمس في «دافوس» أن «الديموقراطيّة لا تتناسب مع العالم العربي»، وأن «بعض الإصلاحات تكفي». المصريّون شعب علاقته وطيدة بالشارع. كنا نتفرّج على صور التظاهرات، عبر العهود، في شوارع القاهرة، ونتعلّم التاريخ. وها نحن وجهاً لوجه مع ذلك الشيء المجرّد الذي ندرسه في الكتب، ونراه في الصور، ونسمع عنه من القدماء.
كنتَ تحتفظ بتلك الأغنية لنهاية السهرة: «كأني فلاح في جيش عرابي/ مات ع الطوابي/ وراح في بحرك/ كأني نسمة فوق الروابي/ مِ البحر جايه/ تغرق في سحرك/ كأني كلمة من عقل بيرم/ كأني غنوة من قلب سيد/ كأني جوا المظاهرة طالب/ هتف باسمك/ ومات معَيّدْ/ كأني صوت النديم/ في ليلك/ بيصحّي ناسك/ يشدوا حيلك...». بالأمس وضعتُ سي دي حفلة «الأماندييه» نفسه، ورفعت صوت الشيخ إمام عالياً، فغمر المكان. كيف يمكن ألا تكون هنا الآن يا جوزف؟