«أين كنتَ في الحرب؟» (دار رياض الريّس) للصحافي اللبناني غسان شربل، هو أيضاً ماذا فعلتَ في الحرب؟ استدرك رئيس تحرير جريدة «الحياة» استكمال عنوانه عندما دوّن «اعترافات جنرالات الصراعات اللبنانية»، الياس حبيقة، وسمير جعجع، ووليد جنبلاط وميشال عون.

باستثناء حبيقة الذي أخرج من معادلتي الحياة والسياسة اغتيالاً عام 2002، لعب الباقون على امتداد عقدين ونصف عقد، بمصائرهم، وبأقدار سواهم. لعبوا بقطعة من تاريخ هذا البلد وبقطعة من جغرافيته، ولا يزالون يعبرون بين استحقاقات الموت والحياة، والفشل والنجاح، إيقاظ النظام على هواجسه وأمراضه وتهديده وتنويمه، والاغتيال والاغتيال المضاد. ينكفئون في الأحداث ثم يعودون ويُبعثون فيها، بل يكاد التاريخ يدور من حولهم، ولا يساجل أياً منهم، أو يتعقبه، أو يعاقبه، أو حتى يكافئه. جنبلاط منذ 1977، وجعجع منذ 1985 وعون منذ 1988.
في كتاب شربل، أدلى كلّ منهم بالاعترافات التي تحيله قديساً وتجعل الآخر شيطاناً، بأيدٍ ملطخة بالدماء وعقول متعطشة إلى السلطة، وجنون يتغذى من إلغاء الآخر. كانوا من بين آخرين كثر أيضاً في منزلة متساوية. اشتركوا في صنع الحرب، ودعوا أنفسهم إلى صنع سلام على صورة الحرب تلك، بل في مسار مكمّل لها. أراد الجنرالات آنذاك أن يبشروا ـــــ كما يقول شربل ـــــ بأنهم «أسهموا كل من موقعه في إنهاك الجمهورية الأولى أو قتلها». تركهم غسان شربل يدوّنون سِيرهم بأنفسهم، واكتفى بأن يكون شاهداً، فلا يشترك في صناعة رواياتهم، لأنّهم «أمروا بإطلاق النار أو أبرموا هدنات أو اتفاقات سلام». بيد أن أياً منهم لم يخرج من صفحات الكتاب ملاكاً، ولا أرادهم غسان شربل ـــــ كما أظن ـــــ كذلك، لأنهم، كما تحدّثوا وسردوا، لم يسعهم إلا أن يكونوا على نقيض الصورة التي أرادوها لأنفسهم.
عندما تحدّث إليهم شربل، في السلسلة الطويلة «يتذكر»، الأكثر توثيقاً لشهادات الحرب اللبنانية من أبرز لاعبيها، لم تكن الحرب انتهت تماماً، ولا ابتعد الجنرالات الأربعة عنها كثيراً، ولا أجروا مراجعة لتجربتهم فيها، ولا ميّزوا بين التبرير والحقيقة. لم يكونوا تقاعدوا عن أحداث ووقائع في بلد، مقيم على خط الزلازل، كما يقول شربل غالباً. آنذاك، لم يرمِ إدلاء الجنرالات الأربعة بشهاداتهم في ظلّ الحرب، إلا إلى فصل جديد وإضافي من أحداث تلك الحرب. تجعلهم المفارقة يجتمعون في أحداث مشتركة، لكنّ كلاً منهم يخبّر عنها على طريقته، يفسّرها ويقلّب وقائعها، ويبرئ ويتهم ويقدّم لها سرداً يناقض ما سيقوله الذي سيليه: التقى حبيقة وجعجع على انتفاضة القوات اللبنانية على حزب الكتائب، وعلى الاتفاق الثلاثي. والتقى جعجع وجنبلاط على حرب الجبل والتقاطع السوري ـــــ الإسرائيلي فيها. وجعجع وعون على انتخابات الرئاسة عام 1988 واقتتال الموارنة، وحبيقة وجعجع وعون على انهيار المناطق المسيحية. رفض حبيقة اتهامه بمجزرة صبرا وشاتيلا، وجعجع بمجزرة إهدن وتهجير المسيحيين من الجبل، وعون بخطيئة الاقتتال المسيحي والحرب مع سوريا ومقاومة اتفاق الطائف، وجنبلاط بالاغتيالات وإن لم يكتم فرحه بانتقامه من التاريخ عندما ثأر، في حرب الجبل، لبشير جنبلاط من بشير الجميّل، المكمّل في رأيه لصورة بشير شهاب.
اتفق حبيقة وجعجع وعون على أن المناطق المسيحية لا تسعهما معاً. فلسف حبيقة وجعجع الحرب التي أُرغما عليها، والسلام الذي رغبا فيه وأخفقا في الوصول إليه، وحتمية الاحتكام إلى حمّام الدم من أجل البقاء. وفلسف عون دور الجيش في السياسة والحاجة إلى أن يكون هو الحلّ أحياناً، وبرّر ضرورة أن تقع الحرب بين الشرعي وغير الشرعي. تحدّث حبيقة وجعجع وعون عن العداء لأمين الجميل، وعن هاجس الدخول في التاريخ وعن القيم التي تسلحوا بها، وعن لعبة الموت التي كانت تجعلهم يصدّقون أنها تفضي إلى الحياة. لا نظير في كتاب غسان شربل لعداء يرويه أصحابه يشبه عداء حبيقة لجعجع، وجعجع لحبيقة، وعداء حبيقة وجعجع للجميّل، وجعجع لعون، وعون لجعجع، وعداء جنبلاط للثلاثة معاً.
بالتأكيد، يقدّم كتاب غسان شربل أربع روايات متناقضة لمراحل من الحرب اللبنانية، يصعب دمجها في قصة واحدة. هذا من دون أن يعرف أي من الجنرالات الأربعة أن الآخر سيقدّم سيرته، وينقض سلفاً ما يفترض أنّه سيقوله. هكذا لن يسع المؤلف ـــــ لو شاء ـــــ إعادة صوغ ما ورد في الروايات الأربع المهمة، في سيرة واحدة. استنتج هذه الخلاصة في مقدمة الكتاب عندما قال: «لم أتوهم أنهم سيعترفون بكل شيء، لكنهم اعترفوا أحياناً بما يساعد على فهم قصة الحرب وقصتهم فيها».
بالتأكيد أيضاً تكمن أهمية سلسلة «يتذكر» في تعريجها ـــــ قبل الجنرالات الأربعة ـــــ على شخصيات أخرى، منهم جنرالات الاستخبارات، وجنرالات القصور، وجنرالات الأحزاب. وهي تقدّم رواية أولى وضرورية لما سيُكتب في المستقبل، عندما يحين الأوان، عن كل هؤلاء، لكن ليس على ألسنتهم، حيث يختلط ما كانوا يريدون أن يحدث، بما حدث فعلاً. سأل غسان شربل الجنرالات الأربعة أين كانوا في الحرب؟ بعدما رووا كل ما عندهم، حريّ به أن يعود ليسأل كلاً منهم مجدّداً: لماذا كذبتَ على الحرب؟