في ديوانه «الحب لا يسكن الحب» (دار النهضة)، وهو الرابع له بعد «وأنا ظلكِ» (1997) و«تمرين على الاختفاء» (2004) و«ضوء بين حياتين» (2009)، يقول لنا غسان جواد إن الحب لا يزال ممكناً شعرياً، لكنه يقول أيضاً إن هذه الإمكانية قد تكون مصحوبة بإفساد الحب للشعر إذا لم تُضبط عاطفته المفرطة ومعجمه السُّكَّري. على هذا الصراط الشعري الدقيق والخطر، تتحرك قصائد الكتاب الخالية من العناوين، المنجزة بنثرية مسترسلة، والبادية مثل نشيد طويل أُخضع لمونتاجٍ مقطعي، بينما مُنحت البطولة المطلقة فيه للذات والآخر/ المحبوبة.

هناك تلقائية تقترب من الارتجال في مبدأ هذه الكتابة المكترثة قليلاً للصّنعة، والمفتوحة كثيراً على البوح والاسترسال. الحصيلة أنّ القصائد محكومة بتفاوتٍ في الجودة في ما بينها، وبتفاوتٍ آخر داخل القصيدة الواحدة أحياناً.
هكذا، يتفوق الشعر في مقاطع وسطور عديدة، كأن يقول الشاعر: «ضحكتكِ سهولٌ خضراء زحفت نحو عينيّ.. وأعمتني»، أو «أحدثك طويلاً، وأنتِ تبتسمين، مثلما تضحك قطعة كريستال فاخرة لرجل متهور/ لن تكفيني يداي في عناقك، أستعين بقلبي». في المقابل، نقرأ مقاطع تكتفي بالرسالة المطلوب وصولها إلى الآخر: «على هذا الطريق، كنت أحمل هاتفي الخلوي وأضرب رقمك مغمض العينين. تحت هذه الشجرة كنت أتوقف قليلاً خوفاً من ضعف الإرسال، حرصاً على صوتك أن يبقى في أذني. فوق هذا المطب الإسمنتي الذي يرفعونه لإجبار السائقين على التمهل والتخفيف من الموت وحوادث الاصطدام، كنت أصرخ بأعلى صوتي إنني أحبكِ».
في الحالتين، تحافظ القصائد على سوية معينة لا تتمايع فيها اللغة ولا تقع في البلادة الغزلية، كما أن قوة القصيدة ـــــ وضعفها كذلك ـــــ غالباً ما يكونان مدسوسين في كل سطورها، فلا نستطيع الحكم عليها انطلاقاً من جملة عادية أو استعارة مدهشة. كأنّ الشاعر يسعى إلى صنع مزاج عام للكتاب. الحب حاضر بكثافة طبعاً، لكنّ المقاطع الناجية من الحب مكتوبة بالنَّفَس الشعري المسترسل نفسه. بطريقة ما، يحس القارئ أن هناك رهاناً على الكتابة يوازي الرهان على موضوعها، ويجد ترجمات لهذا التوازي في تسرّب مشاغل الكتابة إلى القصائد، كأن نقرأ: «يسمّون ما أكتبه شعراً. يضغطون على زر الاستحسان، ويكتبون جملاً محبة وناقصة تحت النص. أصدقائي عاطلون عن الربيع، يحبون الغيم في كلماتي وينامون تحت لمعان الرعد الذي لا يُجيبنا عندما نحاول الاتصال به. رعدٌ خارج الخدمة حالياً، ومشاعر تصطف على حواف بعضها مثل فوج كشّافة مبتدئ». وفي مكان آخر، نقرأ: «لدي صديق يكره الشعر والنساء. يقول لي دائماً إن قصائدي تحتاج إلى تشذيب». لا توجد رخاوة مفرطة في قصائد المجموعة، لكننا نحس أن كثافة الموضوع العاطفي فيها توحي كأننا نقرأ شيئاً واحداً ومتكرراً، بل نحس أحياناً أننا لن ننتبه إذا جُلبت سطور من قصيدة ما ووضعت بين سطور قصيدة أخرى. هذا لا يعني أن القصائد القليلة الخالية من الحب أكثر جاذبية من تلك المكتظة به. النبرة لا تتغير تقريباً، والشاعر لا يكف عن العناية بطزاجة جملته، إذْ لديه «نظرة واحدة أنقّلها كضيفٍ مرتبك»، ويقول للشعر: «أيها الشعر، يا عَوَزي حتى تمتلئ الورقة البيضاء».