قصص فيصل فرحات لا تنضب. يغرف الكاتب المسرحي ـــــ الروائي أخيراً ـــــ من تجربة حياتية ثرية، يجمعها في «سرديات من سيرة ذاتية»، كانت أولاها «يوم بدأت الكتابة» (دار الفارابي ـــــ 2008)، تلتها «رهبة الكتابة» (دار نلسن ـــــ 2009). «عمر الولدنه» كتابه الأخير (دار مختارات) ليس آخر فصول تلك السردية. تحيل ثلاثيّته على زمن لا يزال الحالمون يهجسون به: من بارات الزيتونة في «سويسرا الشرق»، إلى العمل السياسي السرّي والحراك النقابي في مرحلة السبعينيات المشحونة إيديولوجياً. من خلال شذرات من مراهقته، يحكي الولد قصة من قاع المدينة، عن عامل كادح يحلم بأن تعمّ الاشتراكية.

بلغة بائع الكعك والعلكة، والصبي النجار، والناشط الشيوعي، يسرد فرحات بخفة دم طاغية ذكرياته و«ولدناته»، التي غالباً ما أنّبه الرفاق في العمل النقابي وفي الحزب الشيوعي عليها. حين أثكله استشهاد الرفيقة ليلى في التظاهرة الدامية والشهيرة لعمال مصنع «غندور»، دفعته حماسته في ذلك الصباح المشؤوم إلى شراء أربع نسخ من جريدة «النداء» وتوزيعها على أصدقائه، فما كان من أحد رفاقه في الحزب إلا أن لامه لأن «أربعة مسؤولين في الحزب وفي النقابات لم يعرفوا ما حصل في إضراب عمال «غندور»، لأنهم لم يجدوا الجريدة في المكتبة، فذهبوا إلى أشغالهم ولم يذهبوا إلى الاجتماع في الاتحاد لمتابعة الإضراب!». لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد اتهمه أحد معارفه، حسين ط.، بأنّه اشترى الأعداد بأموال العمالة التي يقبضها من الاتحاد السوفياتي!
وحين رفض الحزب انتسابه لصغر سنّه ـــــ لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة بعد ـــــ ومزّق طلب الانتساب الذي تقدّم به، لجأ الصبي إلى إعادة كتابة الطلب بلغة مشفّرة اخترعها حتى يحفظه إلى حين بلوغه السن القانونية. وتابع نشاطه بصفته «صديقاً للحزب»، لا يتخلّف عن أيّ من اجتماعاته، ويتبرّع للقيام بأكثر الأعمال السياسية خطورة، مثل... توزيع البيانات. حين اكتشف الوالد تلك البيانات ذات مرة، وقعت المصيبة. «بكرا بيتزوج أخته!» صرخ الوالد. «أما أنا، فنظرت للوهلة الأولى نحو أخت من أخواتي وهي أيضاً حدقت إلي. وهنا صرخت أمي وهي تضرب وجهها بيديها: يا مشحرة يا فاطمة!»، يروي فرحات في أحد المقاطع من نصّه. غادر الولد البيت واستأجر كنبة عند «أم جان»، إلا أن السؤال ظلّ يؤرّقه. «هل صحيح أن الشيوعي يتزوج أخته؟»، سأل الرفيق سليم. وبعدما طمأنه الرفيق بالنفي، و«ركّز كلامه على مهمات الشيوعي في النضال النقابي والمطلبي للجماهير الشعبية. عدت وسألته: متى تتحقق الاشتراكية وينال الناس حقوقهم؟». أجابه الرفيق بأن تلك مسألة يقرّرها التاريخ. إجابة أعجبت الصبي لكنّها لم تطمئنه، إذ عاد وسأله «يعني بعد قديش؟ عشرين سنة؟».
وكانت فطرية العامل الثوري الكادح قد دفعته، قبل ذلك بسنوات، إلى معاملة «أبو جورج» ـــــ النجار اليهودي الذي تتلمذ على يديه ـــــ «معاملة حسنة». فقد أخبره أحد الرفاق، إثر سؤاله «شو يعني يهودي؟»، أن «اليهود يعني الإسرائيليين، يعني ضد عبد الناصر». فرأى فيصل أنه إذا حافظ على علاقات طيبة مع معلمه، «فقد يتراجع الإسرائيليون عن خوض حرب ضدنا».
بشفافية وأريحية مميزة، يقدّم فرحات سرداً مؤثراً، سلساً وغير متكلّف، لا يدّعي التحليل أو إصدار الأحكام. هي سردية من زمن آخر، لعامل ثوري أدخلته السياسة إلى عالم الكتابة الإبداعية بشكلها الخام، محمّلاً بحياة تفيض زخماً.
حتى اليوم، لا يزال فيصل فرحات يمطر الصحافيين في مختلف الوسائل الإعلامية في لبنان بقصاصات أسبوعية يكتب عليها بخط يده آراءه في مختلف المواضيع السياسية والثقافية والاجتماعية. حضوره على الساحة الثقافية خفيف، خالص من الادّعاء والغرضية، مؤثّر بفطريته والتزامه. عنوان كتابه الصادر قبل أيام «فلتة زمانه» (دار الفارابي)، يشي بشخصية تستلهم سلوكها من زمن غابر، فتلطّف أجواء مدينة ملبّدة بنسيم من النوستالجيا لزمن كان فيه مساحة للحلم والالتزام بالقضايا. «عمر الولدنه» لم ينته. لعله لا ينبغي أن ينتهي. فيصل وبعض أبناء جيله، هم نسمة دافئة لا تزال تهبّ، بهدوء أنيس، على مدينة باعت روحها للمادة... شيطان العصر.