في أكثر من اتجاه، تنمو قصيدة محمد دريوس (1973). تتجرأ، تخاف، تتصادم، تهدأ، تتشعّب وتختلط مع ذاتها. قصيدة تشبه شارعاً طويلاً تتفرع عنه زواريب كثيرة تلعب فيها اللغة بحرية وتخلق صوراً مبتكرة تتمرد على القوالب التعبيرية الجاهزة. هكذا، تنبش أماكنها الخاصة البعيدة عن التنميطات الشكلية لقصيدة النثر السورية.

في ديوانه الثاني «ثلم في تفاحة طافية»، الصادر أخيراً عن «دار دال» في دمشق، يؤكد الشاعر السوري فرادته وقدرته الدائمة على صنع الاختلاف. فهو يخلق جملة فيها من البلاغة بقدر ما فيها من الخفة واليومي والواقعي.
يشبك قصيدته ليس بطريقة مزاجية فوضوية لا تكترث لترتيب نفسها، بل إنّه يبنيها ببطء وعناية، وغالباً ما يبذل جهداً في تركيب عباراته لتخرج من مختبره طازجة ومختلفة: «لست أكثر من رابية تهرم على كرسي في المطبخ».
دريوس يعيد صوغ نفسه من خلال اصطدامه بالأشياء والأشخاص والحالات. يبدو في قصائده خاسراً دائماً من الناحية الوجودية.
لكنه يكتب خسارته بأرباح لغوية وأسلوبية فاحشة تحوّل النص من توصيف لضعف الإنسان وانهزامه إلى فضاء يتجاوز نفسه ويمتلئ بفجوات عديدة تهرب عبرها العاطفة بمختلف حالاتها داخل ألاعيب اللغة ومكرها التي يتقنها الشاعر جيداً: «كثيرون/ قللوا ظلالهم البارحة/ كثيرون/ ندّموا الأمهات اللواتي صعدن المرقى/ بنذور المخاوف/ كثيرون/ مثلي في ربيع الزند».
تحضر الذات بوضوح في بعض النصوص، وتتخفى في نصوص أخرى تبعاً لموضوعات القصائد التي عالج بعضها أفكاراً جديدة ومختلفة مثل قصيدتَي «همس في الصفوف الخلفية» و«مهام الخفة». ويخلق بعضها فضاءات لمراكمة المفارقات والهواجس والإحالات ضمن صياغات متماسكة.
يقلّل محمد دريوس من إصراره على إجهاد القارئ مقارنةً بديوانه الأول «خط صوت منفلش» (2004). قصيدته هنا، تستقر وتثبت، تقلل من حركتها وميلها المفرط إلى الهرب والتسلل، لكنّه في الوقت نفسه لا يتخلى عن اختلافه. يرغب دائماً في أن يحقق ذاته ويقارعها شعرياً، سواء باللغة والأسلوب والصياغات أو حتى بالموضوعات، وإلا فماذا يمكن أن نسمّي شاعراً يكتب قصائد لحقنة الهيرويين ويسميها «الأخت»: «الحقن البيضاء، المدركة/ متى سُلّمت كمزاج خفيض/ إلى جهل النطاسي؟».