يفضّل كثير من الشباب نشر نصوصهم ـــــ وتحديداً الشعرية منها ـــــ على المدوّنات أو على «فايسبوك»، بعدما يئسوا من رفض مخطوطاتهم، أو عجزوا عن تأمين المبالغ التي تطلبها الدور كمقابل لطبع إنتاجهم الشعري. هل يشعر أصحاب دور النشر بالتهديد جرّاء تمدّد رقعة النشر الإلكتروني؟

«أعتقد أنّ النشر الافتراضي لا يزال تجربة محدودة الحجم، مقارنةً بتاريخ النشر الورقي وحجمه. كما أنّه محصور بأنواع كتابية محدودة. هي تجارب فردية موزّعة هنا وهناك»، تقول مديرة التحرير في «دار الساقي» رانيا المعلم. «أعتقد أن النشر الورقي لا يزال وسيبقى التقليد المكرّس»، تضيف. تعترف المعلم بإقلال الدار من نشر الشعر، وخصوصاً الشبابي، إلّا أنّ لذلك أسباباً تتخطى مزاجية المسؤولين في الدار. «النشر بحد ذاته مغامرة، فكيف بالأحرى بنشر الشعر. النشر مغامرة، لكنّه مغامرة ينبغي أن تكون محسوبة، وخصوصاً أنّ عدد قراء الشعر يقلّ في العالم العربي لمصلحة الرواية»، تؤكد المعلم. بالنسبة إليها، قد لا يتعارض النشر الافتراضي مع النشر الورقي، بل قد يكون مدخلاً له، «الأول يضمّ تجارب أولية لكتّاب شباب، يرغبون في تشاركها مع قراء، وقد تنجح هذه التجارب وتجذب دور النشر لطباعتها ونشرها ورقياً، لمَ لا؟».
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تجربة نشر المدونات التي قادتها «دار الشروق» المصرية، فقد حاولت اللحاق بركب النشر الإلكتروني عبر طبعها وتسويقها مدوّنات حازت جماهيرية واسعة في العالم الافتراضي. من هذه المدونات «عايزة أتجوز» للمصرية غادة عبد العال، التي حالما صدرت في كتاب ورقي، تلقّفها صنّاع الدراما، وأنتجوا منها مسلسلاً عُرض خلال رمضان الماضي. كما نذكر مدونة «أرز باللبن لشخصين» لرحاب بسام، و«اسكندرية ـــــ بيروت» لنرمين نزار، و«أما هذه فرقصتي أنا» لغادة محمد محمود. لم تكتف الدار بنشر المدونات، بل نشرت أيضاً عن موقع «بوتقة» مذكّرات جيهان السادات، التي كانت صاحبة الموقع هالة صلاح الدين قد ترجمتها، مما أثار نزاعاً قانونياً ما زال يتفاعل حتى اليوم في أروقة المحاكم المصرية. («الأخبار»، 8 أيلول/ سبتمبر 2010). من جهة أخرى، رأى بعض النقاد لهاث «الشروق» وراء استثمار النص الافتراضي، «ضربة تجارية واستثماراً لموضة جديدة من الكتابة تجتذب الانتباه، مع الاستثمار المبطّن لدعاية المدوّن لنفسه عبر مدونته، في ظل غياب التقويم الجدي لمحتوى هذه المدونات وقيمتها الأدبية»، بحسب الناقد والروائي المصري إبراهيم فرغلي (مجلة العربي، عدد 624 ـــــ تشرين الثاني/ نوفمبر 2010).
انطلاقاً من هنا، تثني المسؤولة عن «دار الآداب»، رنا إدريس على آلية النشر الافتراضي لما يتيحه للشباب من «التخلص من مزاجية الناشر أو من الضرورات التي يمليها عليه النشر كالكلفة الباهظة أحياناً، أو حتى الرقابة على المطبوعات»، إلا أنّها تبدي تحفظها على غياب النقد المنهجي على الإنتاج الأدبي المنشور على الإنترنت، وبالتالي على تجربة «دار الشروق» في هذا المجال. الكتابة الإبداعية هي في النهاية حرفة وعمل جدي، و«الآداب» لا تنشر سوى «ما ينطلق من قاعدة ثقافية وفكرية، تؤسس لمستقبل إبداعي حقيقي للكاتب»، كما تقول إدريس. لهذه الأسباب، خفّفت الدار أخيراً من إصدار الدواوين الشعرية، إضافةً إلى «أنّنا دار مستقلة عن أيّ سلطة مادية، نود أن نحافظ على تلك الاستقلالية، فيما ندرك أن الكلفة المطلوبة تعدّ باهظة على الشعراء والقاصّين الشباب، لذلك نؤثر التقنين في نشر إنتاجهم الأدبي».
«قد يكون النشر الإلكتروني مخرجاً مناسباً من المأزق الذي يتخبّط فيه الناشرون اليوم، فهو أقل تكلفة من النشر الورقي، بهذا المعنى، قد يحدّ من الخسائر»، يقول ناشر «دار مختارات» جورج فغالي، الذي يعلن أنّ الدار تدرس حالياً إمكان التحوّل إلى النشر الإلكتروني.
من جهتها، وبأسلوبها الساخر الممزوج بالمرارة من وضع الكتاب المتردي وعدد قرائه المتراجع في العالم العربي، تقترح الروائية ومديرة «دار الجديد» رشا الأمير مقاربة الواقع المزري بأسلوب علمي: إذا كان الكمبيوتر والإنترنت والوسائل التكنولوجية هي لغة العصر، وإذا كانت تلك هي الوسائط الجديدة التي تتحكم في السوق، فربما وجب تحديث صناعة الكتاب نفسها لتواكب مفردات العصر، وتتواءم معها في خلق معادلة العرض والطلب. بهذا المعنى، تعترف الأمير بأن «صناعة الكتاب الورقي مهنة في طريقها إلى الزوال بوجود الكتاب الإلكتروني». وتستشرف الناشرة والروائية المستقبل، قائلة «أعمل حالياً مع إحدى شركات الهاتف. سأبعث كتابي الجديد بصيغة رسائل قصيرة. كل يوم، أرسل إلى القارئ 200 كلمة مثلاً، يدفع ثمن تلقّيها لدى الشركة. لمَ لا؟».