رحل المؤلف البولوني المعاصر هنريك غورتسْكي (1933 ـــــ 2011) أخيراً. تأخرنا في الإضاءة على الحدث البارز في عالم الموسيقى الكلاسيكية لسببَيْن. أولاً، لا نتوقّع أن يصلنا الخبر عبر وسائل الإعلام المحلية أو حتى العالمية. ثانياً، المصدر شبه الوحيد لهذا النوع من الأخبار هو المجلات المتخصّصة التي تأخرت بدورها في إعلان وفاة غورتسكي. إذاً، بعد صراع مع المرض، انضمّ غورتسْكي إلى زميله لوتوسوفسْكي (1913 ـــــ 1994)، مودِّعاً بنديرتسْكي (1933)، زميله الثاني في الثلاثي البولوني الذي صنع الحركة الموسيقية الطليعية في بلاده خلال القرن العشرين.


بدأ غورتسْكي صغيراً دراسة العزف على أكثر من آلة، ثم اتجه نحو التأليف، متخذاً تحديداً الأسلوب الحداثوي في الكتابة الموسيقية اللانغمية، واستمرّ على هذا المنوال حتى مطلع السبعينيات. بعد ذلك، خرج من هذا الباب، ليدخل من باب المينيمالية، معتمداً عموماً التكرار ضمن إيقاع بطيء وثابت، لكن في إطار النغمة التقليدية والتناغم البسيط. هذا التغيير جعله أكثر تقبّلاً من الجمهور، لكنّه لم يحصد الشهرة العالمية إلا عام 1992، عندما صدرت أسطوانة تحمل تسجيلاً لسمفونيته الثالثة (بقيادة دافيد زينمان) التي كان قد وضعها عام 1976. بيع نحو مليون نسخة من هذا التسجيل، وهو رقمٌ شبه مستحيل في سوق الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة.
هذا العمل المسمّى «سمفونية الأغاني التفجّعية»، يُعَدّ الأهم في لائحة مؤلفات غورتسْكي، كما يُعتبَر حجراً كريماً في الريبرتوار السمفوني في القرن العشرين. تتألف هذه السمفونية من ثلاث حركات بطيئة، ذات طابع زاهد، تتخللها جميعها نصوصٌ مغنّاة (تؤديها سوبرانو فقط)، تتمحوَر حول معاناة الأهل الذين فقدوا أولادهم أو الأولاد الذين فقدوا أهلهم. والمقصود من ذلك الحالات المشابهة التي كانت تحدث في ظلّ النازية. أما مصادر النصوص فهي: صلاة قديمة تناجي فيها مريم ابنها المصلوب، تضرّعات كتبتها مراهقة على حائط زنزانة في أحد سجون النازية وأغنية شعبية عن معاناة أمّ تبحث عن رفات ابنها.
خفّ نشاط غورتسْكي في السنوات الأخيرة. غير أنه كان يحضّر في 2010 لتقديم سمفونيته الرابعة (بعد 34 عاماً على إنجازه الثالثة)، لكنّ الموت باغته قبل إتمام المهمة، فهل نسمعها قريباً؟