ما إن أطلّ العام الجديد حتى تحوّلت الأنظار في عالم الموسيقى الكلاسيكية من الثنائي فريدريك شوبان وروبرت شومان، إلى الثنائي غوستاف مالر وفرانز لِيسْت. الأول نمساوي، وميزته أنه جعل من الأوركسترا آلة واحدة، وأتقن العزف عليها، وتصادف هذا العام مئوية رحيله الأولى. الثاني مجري، وميزته أنه جعل من آلة واحدة (البيانو) أوركسترا بحدّ ذاتها وأتقن قيادتها، وهذه السنة هي الذكرى المئوية الثانية لولادته.


نعود في المستقبل القريب إلى مالر، أما اليوم فنتناول سيرة لِيسْت وفنّه.
ولد فرانز لِيسْت عام 1811، لأب مجري من أصول نمساوية، وأمّ من أصول ألمانية. لذا يمكننا القول إنّه جرماني الجذور، ولو أن انتماءه الوطني كان مجرياً بالدرجة الأولى. تلقّى فرانز دروسه الموسيقيّة الأولى من والده، وراح يعزف معظم ما كان منشوراً من أعمال الكبار آنذاك، وبدأ بوضع مؤلفاته الخاصة في سن المراهقة. مهاراته العالية في العزف أكسبته شهرة سريعة، إذ راح يجول في أوروبا ويقدّم الأمسيات، مكرساً مبدأ الـ«ريسيتال» الذي نعرفه اليوم. لم يكن لِيسْت ذاك الرومنطيقي الزاهد المعذّب، بل كان يتمتع بشخصية قوية ومرحة، ومظهر حسن أيضاً، ما جعله «دون جوان» عصره. مغامراته العاطفية كثيرة، لكن قصة الحب الأشهر عاشها لِيسْت مع كونتيسّة متزوجة (تدعى Marie d’Agoult)، أنجب منها ثلاثة أولاد، اشتهرت من بينهم ابنته الوسطى كوزيما. فهذه الأخيرة تزوجت تلميذ والدها، الموسيقي المعروف هانز فون بولوف، ثم صديق العائلة الذي يكبرها بـ25 سنة (!)، المؤلف الشهير ريتشارد فاغنر، ما سبب قطيعة بين العبقريين، انتهت بمصالحة متأخّرة.
بقي لِيسْت يجذب كل من يقع تحت أنظارها، على الرغم من أنه لبى دعوته إلى الحياة الكهنوتية في أواسط العقد السادس من عمره، ليصبح الأب لِيسْت الفرنسيسكاني. من جهة ثانية، وعلى الرغم من ارتباط اسمه بمدينة فايمار الألمانية التي عمل فيها لسنوات، سافر فرانز لِيسْت إلى معظم العواصم الأوروبية، فالتقى (أو صادق) أعلام الفكر والفن آنذاك، مثل الأدباء فيكتور هوغو، وألفرد دو موسيه، وجورج ساند، والمؤلفين شوبان وبرليوز وباغانيني وغيرهم.
لم تتضارب آراءٌ حول مؤلف، بقدر ما حصل ذلك بشأن فرانز لِيسْت. لكن، يبقى هذا المؤلف رمزاً كبيراً في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، وعبقرياً فتح آفاقاً في مجالَي العزف والتأليف. في حياته، كما بعد رحيله وحتى يومنا هذا، كان ولا يزال الانقسام قائماً بين المهتمّين بالمؤلفات الكثيرة لهذا الرجل الذي ارتبط اسمه بآلة البيانو بالدرجة الأولى. بالنسبة إلى بعضهم، امتلك فرانز لِيسْت تقنيات العزف على البيانو إلى أقصى الحدود، فأتت بالتالي أعماله عبارة عن مجرّد توظيف للمهارات، لكنّها افتقرت إلى الذائقة الفنية، ويمكن عنوَنتها «كثيرٌ من الأصابع، لقليل من الموسيقى».
من جهة ثانية، هناك جبهة دفاع عن أسلوب لِيسْت في التأليف، تقول إنّ هذه المهارات كانت توظّف في خدمة الغاية الموسيقية لكل مقطوعة، وليس للإبهار. في الواقع، هناك شيء من الصحة في الحالتَيْن، فبعض الأعمال الصعبة من ريبرتوار المؤلف الشهير تبهر المستمع في اللقاء الأول، وتتسبب في ملل تصاعدي مع تكرارها، حين لا يعود من مبرّر لوجود تراشق النوتات في سياق التعبير الجمالي. وهذا ما أحسن استخدامه لِيسْت أحياناً، تماماً كما سقط في فخه أحياناً أخرى. أضف إلى ذلك أنّ الكثير من روائعه لا ترتكز إطلاقاً على الشق التقني البحت، بل على الشاعرية في الأحاسيس الإنسانية العميقة أو على الخلفيات الفكرية والروحانية.
أما الأهم فهو نمط فرانز لِيسْت في التأليف نسبة إلى الحقبة الرومنطيقية التي انتمى إليها. إذ كان يُعدّ طليعياً في رؤيته الموسيقية، خصوصاً في العقود الأخيرة من حياته. فقد حوَت بعض أعماله تلميحات انطباعية سبقت ولادة هذا التيار في فرنسا، كما أدخل تحديثات كبيرة في الكتابة الهارمونية، إلى جانب دفع إمكانات آلة البيانو التقنية إلى حدود لم يتخطها أحدٌ من بعده (إذا استثنينا ما يسمى البيانو المُجَهَّز، وكذلك تقنية الضرب المباشر على أوتار الآلة)، مثل توالي الوضعيات الصعبة للأصابع، والحركات والانتقالات التعجيزية. يضاف إلى ما سبق السرعة المطلوبة لتنفيذ كل ذلك بنحو دقيق وصحيح وبالزخم المحدّد، واستقلالية مسار اليد اليمنى عن اليد اليسرى، من دون أن يعطي بالضرورة الدور الأبرز للأولى.
إلى جانب التأليف، كان فرانز لِيسْت الذي رحل في عام 1886 إثر إصابته بداء ذات الرئة، مؤدياً بارعاً. وكاد أن يترك لنا تسجيلاً منه، لولا أن اختراع إديسون أتى متأخراً قليلاً لسوء الحظ. لكن في المقابل، كتب المؤلف الكبير مئات المقطوعات، معظمها للبيانو المنفرد، إضافةً إلى أعمال دينية وأوركسترالية وغيرها. أما الجمهور العربي فيعرف أقله عملاً واحداً للِيسْت: الرابسودي رقم 2 التي استخدم زياد الرحباني مطلع لحنها الأساسي، مضيفاً إليه تطويراً مناسباً وإعداداً خاصاً. نقصد هنا، ذاك الفاصل الموسيقي الجميل في... «نزل السرور».