«عليكم أن ترضوا بالظلم، ويمنع عليكم دخول المبنى بعدما لفظتكم المحطة». لم يصدر هذا الكلام حرفيّاً عن أحد الإداريين في قناة «الجديد»، لكنّ الاستنتاج الطبيعي لما يجري في كواليسها يبيّن أن هذه العبارة تعبّر بواقعيّة عن الوضع الداخلي. قبل يومين، طرد حوالى 40 موظفاً، وفي صباح اليوم التالي، قرّر الباب العالي قطع الطريق على الحاشية المغضوب عليها. هكذا، فضلت الإدارة الاستغناء عن خدمات المصروفين قبل الأوان، وقبل تبلّغهم بموعد تقاضي تعويضاتهم المستحقة. تمنوا عليهم أن يرتاحوا في بيوتهم، وسيصلهم المعاش عن شهر كانون الأوّل (ديسمبر) كاملاً مع تعويضاتهم أيضاً، «لكن الأفضل ألا تزوروا المؤسسة بعد الآن».


تحمل حجّة التطهير شقين وتناقضاً غريباً: إعادة هيكلة وأزمة ماليّة. يؤكد المدير العام للقناة ديمتري خضر أنّ «الصرف لا يرتبط بتحديد الكفاءة، بل بالتحوّلات في نمط العمل التلفزيوني والتطوّر التكنولوجي الذي فرض نمطاً جديداً من الوظائف». الأزمة المالية ليست سوى حجّة. رغم أنّ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة تمرّ بأزمة فعليّة، يبدو مستغرباً أن يقطع «الجديد» أرزاق الموظفين العاديين، ولا يمسّ بالإداريين الذين لا يقدمون أو يؤخرون فعليّاً في المؤسسة. وعلمت «الأخبار» أنّ صاحب أعلى راتب بين المصروفين لا يتجاوز 1500 دولار، وبعضهم لا يصل راتبه إلى 1000 دولار. تبحث الإدارة في كيفيّة تقليص النفقات، لكنها لم تسلك الطريق الذي يقلص نفقاتها فعلاً، بل وجدت أنّ أفضل وسيلة هي الاستغناء عن الموظفين العاديين، منهم الأسير المحرّر أنور ياسين الذي استفادت المحطة من اسمه عند خروجه من المعتقل، ثم فاطمة قاسم، والمنتجة رانيا رعيدي التي استشارت محامياً، فطلب منها الاستمرار في الدوام حتى نهاية الشهر. لكنّ مديرة الموارد البشرية في «الجديد» أبلغتها أنّه «دفعاً للإحراج، لا داعي لحضورها». ثم هناك المنتجة رانيا غرز الدين التي أنهت علاقتها بطريقة حبيّة مع المحطة، ثم مسؤولة التسويق الإعلامي للبرامج فريال اسماعيل، ومهندس الصوت لبيب حلاق. ومن الأسماء التي سيفتقدها الجمهور الإعلاميّة غريس الريّس التي طال غيابها عن الشاشة، وتبلغت الاستغناء عن خدماتها، بعد تأجيل برنامجها الفني مراراً. هذه المرّة، لم يجد المصروفون زملاء يقفون إلى جانبهم، بل هناك من علّق على فايسبوك «إذا لم تفرض نفسك كضرورة وليس فقط كحاجة، فلن تصمد في أي مؤسسة في العالم». هكذا، بدا بعضهم في موقع المدافع عن قرارات الإدارة التي أعدمت زملاءه. في الأسابيع الماضية، أخذ طوني خليفة على عاتقه صفة المدافع عن المصروفين من شركة «باك». وضمن برنامجه «للنشر»، غطّى مباشرةً اعتصام الموظفين المعترضين على ما سمّوه ديو الأمير والشيخ أمام مبنى الشركة في كفر ياسين... فهل سنسمع صوته هذا الأسبوع عن صرف زملائه في «الجديد» الكائن في منطقة وطى المصيطبة؟