بعد قراءتي الأولى لرواية عبّاد يحيى «رام الله الشقراء» (دار الفيل) في القدس، رحت أعيد قراءة جمله المنحوتة بحذر لتتبادر إلى ذهني صورة الزجاج الذي يشتغل على إنتاج عدسة تقرّب الصورة وتوضح تفاصيلها، ويكتشف أنّ ما أنتجه هو قطعتان من الزجاج: الأولى مرآة يرى نفسه فيها لأول مرة، والثانية منشور زجاجي يحلّل ويفكك الضوء المنبعث من الصور. ينظر إلى أجزاء من الصور المتشكلة في فضاء المدينة خلال منشوره، فيرى التراكيب والعناصر والعلاقات والجزئيات كلها تتداخل بمنطق أشقر اللون، ويحاور مرآته ويجادلها ويعيد تأمل المشهد مرة أخرى، فينجز نص «رام الله الشقراء». مميّزاً أنّ هناك أكثر من مدينة في المدينة، يكتب عبّاد يحيى عن رام الله «الشقراء» من بينها، تلك الشقراء التي تتمركز في حيز ثقافي اجتماعي وسياسي محدد مرتبط بالتداخل بين الشرق والغرب، يحلله منشور الزجاج بأدوات معرفيّة نقديّة، وتصوغه مرآة التأمل لينتج أدباً سلساً وجارحاً في آن واحد.


في سخرية مُرّة تتشكل مشاهد «الشَّقار» في المدينة كطبقات من الفعل الاستعماري الغائر في جسد المدينة الثقافي. تتشكل المشاهد في النص من دون تراتبية منتظمة أو مسار درامي محدد، والنص يشبه المدينة ذاتها؛ حالة تشظٍّ للأمكنة والأفراد لا رابط بينهم سوى رابط غير مرئي، والنص مجموعة من المشاهد أبطالها متنوعون يتحدثون مع الراوي أو يتحدث عنهم الراوي. يخبرنا قصصهم وأماكن لهوهم وهمومهم، جامعاً بين علم النفس والاجتماع، مُسَيّقاً الشخوص ضمن واقع الاستعمار ومنتجاته، التحولات على الوعي والوطنية الفلسطينية، الاستعمار الجديد والتمثلات، والتمثيل للعرق والطبقة والنوع الاجتماعي والأجساد المجنّسة. كل ذلك يربط بينه خيط من الشقرة.
ما نعرفه عن الراوي شبه معدوم. هو صحافي يعمل في الشأن الثقافي يراسل صديقته التي تعمل في قضايا الصحة العامة. يخبرها وتخبره عن مشاهد المدينة التي تُصبغ يوماً بعد يوم بالشقرة. في كل يوم رسالة وردٌّ عليها. تأويل وتأويل على التأويل يُنتج حيزاً تأملياً نقدياً وتفكيكياً، كلاهما يحمل زمانيّة متقاربة كأنهما ذات الشخص، بينما تدور أحداث المشاهد في الزمن الاعتيادي، ويبقي الراوي وصورته أو صديقته في زمانيّة أخرى يؤرخ بها أو يقارن من خلالها المشاهد، فنراه يعود إلى زمن الانتفاضة الأولى، الانتفاضة الثانية، معركة مخيم جنين، بيروت وحصارها، ليرى من خلال ذلك الزمن غير الاعتيادي، الزمنَ اليومي العادي في صيف رام الله. تتكشّف المرجعية الزمانية كلما تواجه الراوي مع مشهد جديد من مشاهد التحولات التي تعصف برام الله، وفي كل لحظة تزداد شقاراً، لكن الزمانية ليست وعي الزمن فقط وإنما أداة إدراك الحاضر. يتحول الحدث (الصادم أو الجميل أو المشكّل للذوات) إلى النقطة المرجعية التي يُحاكَم بها الزمن الاعتيادي من شخص قادم من زمن الجماعة وهمومها وزمن القضايا الكبرى. في المدينة المتغيرة، يتحول أقدم استوديو تصوير إلى محمصة لبيع المكسرات أو «التسالي»، وتتحول فيها الشوارع من أمكنة معتمة تخفي شباب الحجارة إلى فضاءات مضاءة وكاميرات مراقبة قد تُنتَج منها أفلام وثائقية.
في هذا الانقسام بين زمانيتين مختلفتين؛ زمانية الأحداث الكبرى وزمانية الاعتياد، يرسم الراوي قصة تلك الرام الله التي يراها بعيون الزمن المختلف. الراوي المختفي خلف تأويلاته لا نسمع صوته يتحدث عن ذاته إلا قليلاً، يختبئ طوال الوقت خلف أدواته الأنثروبولوجية والسوسيولوجية النقدية، ويبقى منتصراً في عملية التصميت لذاته، معتمداً كتابة ذاته من خلال قصص الآخرين، حتى الوصول إلى الجزء الأخير من النص، حين يتحول إلى ذات ومشهد من الرواية، ولا ندري إن تحوّل إلى الزمن الاعتيادي أو لا.
الشرق والغرب، تلك العلاقة المعقّدة تتكثف في رام الله الشقراء، حيث تداخلات الرعب الكونرادي و «قلب الظلام» الاستعماري، تعميمات الاستشراق وصنعة المستشرقين، الغيريّة المجنسنة. في نص عبّاد يحيى، تتكثّف المشاهد، وتقفز بين التمثلات الرمزية إلى البنية الاجتماعية الاقتصادية، من الحميميّة الجسدية إلى مؤسسات العمل الأهلي، إلى صناعة «الخبراء» المحليين في الشقراوات، وصياغة المشاريع وطرق التعامل مع «الغربيين» في لقاء بانورامي بين أنواع متعددة من الشرق وأنواع متعددة من الغرب.
في رام الله المستعمَرة، الأجساد الشقراء ليست أجساد الإنكليزيّات في «موسم الهجرة إلى الشمال»، فأحد فحول الرواية يعرف رمزية تحرير أفريقيا ويتندّر بجملة مصطفى سعيد ليبرر لنفسه، ساخراً انغماسه في رام الله الشقراء إما هروباً أو متعة. ففي «رام الله الشقراء»، يصبح الفلسطيني خبيراً في المجتمع المدني والمشاركة السياسية، ويتجنّد لتعليم شرقيّ آخر وتنويره، ويأتي شرقي من بعيد يحمل وصفات البنك الدولي، ويساعده في حملها عشرات الخبراء الغربيين.
في رام الشقراء، كثير من الوجوه السوداء والأقنعة البيضاء، في رام الله «هذه البقعة الصغيرة يحضر وَهْم كلّ الثقافات، الإسبان يرقصون، والإيرلنديون يغنّون، والهولنديون يرسمون، والأميركيون يعزفون، والفرنسيون يديرون هذا الحراك». في النص الذي يتابع تركيب العلاقات الاستعمارية، يجهد الراوي في إخراج نص متعدد الأصوات، لكنّه بإصرار وقصد يُغيّب أصوات الغرب. لا عجب، فالنص يحاول أن يعيد الاعتبار إلى كلاسيكية الرد على الاستعمار بالكتابة.
في «رام الله الشقراء» حيث تتكاثف وتتداخل الدلالات الاستعمارية، يجهد الجميع في البحث عن الأصالة الفلسطينية الخالصة، ويتحول كل ما يشير إلى فلسطين إلى رمز أو إشارة منزوعة الجذور؛ من الطعام «الأصيل» إلى بيرة «محلية» الصنع، إلى المعمار الفلسطيني القديم وحتى الرمز الثقافي، فحتى صورة محمود درويش الذي رأى «مدناً تتوج فاتحيها وتصدّر الشهداء كي تستورد الويسكي وأحداث منجزات الجنس والتعذيب» أصبحت رمزاً يدل على فلسطنة المكان، وأشعاره تعلّق كستارات لمقهى أو بار أو تضاف إلى المشاريع الممولة أجنبياً من أجل إضفاء غلاف فلسطينيّ عليها. في «رام الله الشقراء» يتجلّى الانقسام بين الواقع والصورة التي تخرج من كونها تمثيلاً لهذا الواقع وتصبح هدفاً بحد ذاته في حالة مشهديّة، لا يستطيع الراوي القادم من زمن المشاريع الكبرى إلا أن يشعر حيالها بالامتعاض والنفور. الصورة المشهدية ليست واقع الراوي ولا ذاكرته ولا تجربته، هي فقط صناعة المكان بإشارات لا تشبهه فـ«اسم جورج حبش يُطلق على دوّار في أفخم أحياء المدينة، ويطلق اسم أبو جهاد ويحيى عيّاش على شارعين يعبران مجمّع وزارات سلطة أوسلو».
نص «رام الله الشقراء» أقرب ما يكون إلى قنبلة مضيئة تكشف أجزاء معتمة في جسد الشقراء رام الله قبل أن تخبو بسرعة. هو نص فيه تجريد عالٍ لمشاهد «التشقّر» أو استدخال الشقرة في مدينة مستعمَرة تُرى من خلال منشور مقاتل يمرّ «كقذيفة في الحرب».

* أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية في «جامعة بيرزيت»