ربما ساد الاعتقاد بأنّ خبر استشهاد نائب القائد العام لكتائب «القسام» أحمد الجعبري في غزة سيمرّ مرور الكرام كما اعتاد المتابعون من خلال الدخول في عملية تعداد الشهداء كأرقام. لكن العدوان هذه المرة لا يشبه ما حصل عام 2008 خلال عملية «الرصاص المصبوب»، مع التطور النوعي العسكري للمقاومة الفلسطينية بكل فصائلها، ووصول صواريخها الى عصب الدولة المغتصبة، تل أبيب. أما إعلامياً، فقد بدا واضحاً تخاذل المحطات اللبنانية في تغطية العدوان، وتخلّي بعض الفضائيات العربية عن الأداء العالي الذي قدّمته خلال تغطيتها الحروب السابقة.


على صعيد المواكبة الخبرية والتغطية المباشرة، أصاب السبات التام ــ بل قبل الغيبوبة ــ وسائل الإعلام المحلية باستثناء «المنار» التي مهرت شاشتها بشعار: «غزة تحت النار» وأفردت هواءها للبث الحيّ وأكدت على المعادلة الجديدة التي ترسيها المقاومة الفلسطينية وكيفية استقاء الاحتلال العِبر من حربي 2006 (لبنان) و2008 (غزة). في المقلب الآخر، حيّدت باقي القنوات اللبنانية نفسها عن الحدث مع إمرار بعض الأخبار العاجلة في الشريط أسفل الشاشات حفاظاً على ماء الوجه. وراح بعضها ينفخ بالصواريخ الحمساوية ويوزع الوصايا على العرب والعالم حول كيفية صدّ العدوان وبلسمة الجراح الغزية، فيما فضّل البعض الآخر زجّ الأزمة السورية بما يحصل في غزة وكيفية «إراحة بشار الأسد». هكذا، أبدت lbci أول من أمس امتعاضها في مقدمة نشرة أخبارها المسائية ممّا سمّته «الاختبار المبكر لحركة «حماس» في محور الممانعة»، وسألت عن تأثير ذلك على «مسار الأزمة السورية»، فيما ذهبت Mtv الى ربط ما يحدث في سوريا بالعدوان على غزة، و«كشفت» ما تشعر به «إسرائيل» من ارتياح جراء ما يحدث من مجازر في سوريا واطمئنانها إلى أنّ أحداً لن يجرؤ على إدانتها تجاه ما ترتكبه من مجازر بحق «المدنيين العزّل» في القطاع! أما «الجديد» فواصلت دعمها للمقاومة الفلسطينية عبر مقدمة من العيار الثقيل تشيد بالصواريخ الحمساوية التي أصابت العمق الصهيوني وبالمعادلة التي أرستها المقاومة كلغة وحيدة يفهمها الكيان العبري. لكن في مقابل كل تلك الحماسة الملهبة، لم تقرن المحطة هذا الأداء بشكل فعلي عبر إفراد مساحة له، أكان في البرامج السياسية أم عبر إجراء تعديل على برامجها المعتادة مؤازرة لما يحدث في غزة!
وحدها قناة «الميادين» كانت في الميدان بكامل طاقمها وشرايينها الممتدة من بيروت الى فلسطين المحتلة، وأخذت على عاتقها عملية التغطية، رافعةً شعار «غزة برسم العرب والربيع» بألوان العلم الفلسطيني. عرّفت مشاهديها إلى مسيرة الشهيد الجعبري وتاريخ نضال حركة «حماس» منذ تأسيسها. نقلت لحظة بلحظة ما يحصل في القطاع في نجاح يسجّل لها في اختبارها الأول لتغطية العدوان الإسرائيلي على غزة بعد أشهر على انطلاقتها، فيما بقيت كل من «الجزيرة» و«العربية» منغمستين في الأزمة السورية، ولم تعيرا شأناً للعدوان ولو بمنتصف القدر الذي قدماتاه في حرب 2008، خصوصاً القناة القطرية التي لم تبلغ مرحلة تغطيتها السابقة للحرب على القطاع عبر فتح الهواء للوقوف على تداعيات العدوان ودعم المقاومة الفلسطينية. كذلك، شرعت «BBC العربية» في تغطية الحدث عبر البث الحيّ وفتح المجال أمام مختلف التعليقات والتحليلات على ما يجري، خصوصاً بعد تضامنها مع مراسلها في غزة جهاد المشهراوي الذي فجع بمقتل طفله الرضيع (11 شهراً) في أول أيام العدوان. لكنّ «بي. بي. سي.» ظلت على حيادها «القاتل» الذي لا يميّز بين الجلاد والضحية.