في باكورته الشعرية «تلاوة الظل» (دار العين ـ القاهرة)، يسعى سيد محمود إلى تفكيك حيرة الكائن واضطرابه، بين حركتين متناقضتين: الشطح الصوفي في اكتشاف النوراني المخبوء في الداخل، وحميمية موسيقى الحجرة. الدوران إلى حدود التلاشي، وترميم أعطاب الجسد المرضوض بالرغبة المؤجلة. سلّمان موسيقيان، وعازف كمان غارق في تمارين اللذة الروحية تارةً، واللذة الحسيّة طوراً، من دون أن يقع على الطمأنينة. أربعة نصوص طويلة بضربات إيقاعية متوتّرة، تعمل على الخارج بالمقدار نفسه الذي يعتمل في الداخل، بأقل قدر من البلاغة والمجاز؛ إذ إن مشهديات الحياة اليومية العابرة تفرض نفسها بقوة، في التقاط «المتروك جانباً». تفصيل خاطف يختزل الضوء، كأنّ كل ما يجري حوله هو مجرد توطئة لتبديد العتمة، وإزاحة ما هو فائض عن حاجة «الأعمى الذي يتعثّر في الضوء». لن يركن سيد محمود طويلاً إلى «تلاوة الظل». هو سيغتسل في النصوص اللاحقة من طهرانية المقدّس الإلهي، متوغلاً في أحراج الفتنة بحذر، وتدريب «الأسى على طعم الغناء». هكذا ستذهب العبارة نحو المحسوس والأشواق المؤجلة، من دون أن يردم المسافة تماماً، بين المعجم العرفاني، وفضاء الشهوة، ولهفة العناق: «الأمل طائرة ورقية خيطها معك»، و«الموسيقى تهزّ ستائر البيت»، و«وهج الفتنة أقوى من لون الذهب».


ستحجب الستارة الضوء، ويغمر ماء البحر بريق الجسد، فيما يعيش العاشق عزلته وانتظاراته، مكتفياً بحاسة الشمّ في تفسير الرائحة. كأنّ الشاعر يلجم مكابداته عند الحدّ الفاصل بين الظل والضوء لاكتشاف موطئ قدميه عند حافة الحيرة، قبل الهلاك بقليل، وإذا بالصورة تذهب إلى ضبابية لا تقود إلى ما يرتجيه، وقد تنزلق إلى السطح، فيفلت المعنى في عراء السرد «كل موعد تأخذين قلبي من يده، تشترين له مشاعر جديدة»، و«كحارس ليلي يتسلّى بصمت الحديقة». في نظرة أخرى، سنجد أنّ مفردة الظمأ ثيمة أساسية تتكرر في كل نصوص الشاعر بتنويعات مختلفة، لعله عطش الصوفي في صحراء السراب، وظمأ الغابات التي أهلكتها الحرائق. وظمأ الفقدان.
يقول: «امنحها من فيضك غيمةً/ اجعلها النهر، وأبقِ على عطشي»، قبل أن يبتهل «يا رب ساعدني لأصعد مئذنتي». هكذا يظل «ترجمان الأشواق» معلّقاً عند منتصف السلّم إلى مئذنته الشاهقة، من دون أن يقع.