بغداد | رحلت عفيفة اسكندر، هذا هو العنوان العام للخبر، لكنّ متنه يحمل الكثير من الأسى. الفنّانة العراقيّة الرائدة المولودة في سوريا عام 1921 رحلت، وظلّ جثمانها وحيداً لنهار كامل في مبنى «الطب العدلي» في بغداد. بعد كلّ ما نالته من شهرة وأضواء، شيّعها بعض المحبّين (عدد أصابع اليد الواحدة) من كنيسة الروم الأرثوذكس، وسط العاصمة، إلى مثواها الأخير في مقبرة الروم الأرثوذكس الواقعة على طريق بغداد ـــ بعقوبة القديم. صاحبة أغاني «أريد الله يبين حوبتي بيهم» و«حركت الروح» لم يبق إلى جوارها في سنواتها الأخيرة سوى أم عيسى، رفيقتها التي تكفّلت برعايتها حتّى رحيلها. مشوار طويل بدأته منذ سفرها إلى القاهرة أواخر الثلاثينيات، حيث عملت مع فرقة بديعة مصابني وتحية كاريوكا، وكانت لها مشاركات محدودة في السينما هناك، إذ أدّت دور البطولة مع مديحة يسري وبشارة واكيم في فيلم «القاهرة _ بغداد» للمخرج أحمد بدرخان.


بعد عودتها إلى بغداد، واصلت مسيرتها التي تضم مئات الأغاني التي تعاونت فيها مع خيرة الملحنين والشعراء العراقيين، كما شاركت في فيلم «ليلى في العراق» من اخراج أحمد كامل مرسي، وشاركها البطولة جعفر السعدي ونورهان وعبد الله العزاوي. إلى جانب ذلك، أسّست صالوناً ارتاده أهمّ رجالات الأدب والسياسة في العهد الملكي، وكان بينهم الشاعر حسن مردان، والمؤرّخان علي الوردي ومصطفى جواد.
المفارقة أنّ خبراً كاذباً أُشيع قبل أشهر عن رحيل «شحرورة العراق»، سرعان ما تناقلته وسائل الإعلام، قبل أن تنفيه وهي على فراش المرض (الأخبار ١٤/6/٢٠١٢)، لكنّ وسائل الإعلام نفسها التي تناقلت الشائعة حينها، لم تهتم كثيراً بالرحيل الحقيقي لواحدة من أبرز فنّانات العراق.
صحيح أننا قرأنا بيانات النعي التي تذكّر بقيمة الراحلة ومكانتها من وزارة الثقافة، ومن تجمّع «فنّانو العراق»، لكننا لم نسمع حتّى اللحظة أي مبادرة عن مصير التراث الذي خلّفته الراحلة من مقتنيات شخصيّة وصور وأشرطة يمكن أن نجدها في شقتها المستأجرة في بغداد.
نعم، ليس غريباً ألا ينشغل أحد بذلك، فنحن نعيش في بيئة فنية تتناسى جيل الرواد ومن جاء بعدهم، بينما تتفشى أغنياتٌ الزمن الجديد التي يلطم أحدهم على صدره وسط مجموعة من الراقصات، ويقول فيها: «بعد بعد يا روحي خليني أرخّص روحي».