الصورة التي رسمها الأستاذ الصديق ميشيل كيلو في مقال «السفير» (1/9/2012) مليئة بزخرفة ألوان مأخوذة من التشكيل الأوروبي الحديث... فيما نحن، لسنا حتى الآن سوى عصور وسطى منحطة بكل أدوات الانحطاط! يقول سنبني دولة حداثة وتنظيم. فيها تعليم وسكن وعمل وتقليص فوارق، وحقوق امرأة وأحسن العلاقات مع الجوار، ووحدات اقتصادية مع العرب وإلى آخر مصفوفة القيم في الدولة المدنية الراقية.


ولكن إلى أن نصل إلى منطقة هذا الحلم، هناك صورة لواقع ما زال يتحرك على الأرض بطرق وكيفيات لا تبشر بخير. الآن سوريا تدخل المرحلة الثالثة من تدميرها الذاتي، فإذا عدّدنا المراحل نجدها كما يلي:
1ـ مرحلة فساد الدولة المزمن الذي أدى إلى كل هذا الاستياء الصامت لمواطنين يستطيع أي شرطي أو مخبر أو مخابرات أن يذلهم. فساد الاستثناء واختراق القانون، والرشوة، والتمييز وانعدام فرص العمل، وشراء الوظائف والذمم. وقد تم الوصول إلى تلك اللحظة الخطرة من الفساد الذي يطال فكرة الوطنية والغيرة على المصالح العليا للوطن. اللحظة التي يحصد بعض نتائجها ــ على مستوى الأمني ــ النظام نفسه
(كالتهريب الخطر للأسلحة والمتفجرات).
2 ـ مرحلة الانتفاضة التي أظهرت بوضوح درجة الغليان عند فئات متعاظمة من الشعب السوري، لا سيما فئة الشباب (20 ـ 35 سنة) من العاطلين من العمل والأمل. وفي هذه المرحلة، لم تنتبه الدولة إلى درجـة الخطورة المنطوية عليها فكرة قمع انتفاضة بالعنف الشديد منذ اللحظة الأولى، مع وجود كميات من الدوافع القوية لاستمرار الاحتجاج وصولاً إلى تلك الجملة «إسقاط النظام».
3 ـ مرحلة العسكرة: وفي هذه اللحظة، كما كان واضحاً، أن الاحتجاجات لن تبقى سلمية لعشرات الأسباب (الدم يجر الدم، والوحشيات المختبئة في القيم القديمة ذات الطابع البدائي. الثأر، ثم الاستباحة، ثم انتهاك قانوني الممنوعات والمحرّمات). وما سمّي بالحلّ الأمني (القمع بالوسائط التقليدية) تطوّر بسرعة إلى الحل العسكري (استخدام واسع النطاق للجيش، وعدم التقييد في استخدام أنواع الأسـلحة، وضرب الأهداف)، فانتقلنا، بسرعة أيضاً، من اسـتهداف المتظاهرين إلى المعارك مـع
مسلحين وقصف المدن والأحياء التي اعتبرت نفسها، أو أجبرت على اعتبار نفسها، حاضنة بيئية للمسلحين وصولاً إلى تجييش المعارضة وتسليح كتائبها. وصلنا إلى ما لا اسم له سوى: الحرب! ثمة المرحلة التي نعيشها الآن وملخصها:
جيش حر بقيادات ملتبسة. كتائب، وقوى مسلحة مستقلة محلية. تسليح بلا حدود. تطور نوعي في السلاح وطرائق اسـتخدامه في الميدان. وجيـش نظامي يدافع عن نظامه، ويدخل، في البداية، في معارك اصطياد واعتقال المسلحين، ومعاقبة الأهالي الداعمين، ثم معركة كسر عظم واضحة قررها الطرفان. المسلحون تغذّيهم إرادة قتال ناتجة من شروط ملتبسة، منها: يقينهم بالقدرة على إزاحة النظام بالقوة المسـلحة، دعم لوجستي ومالي خارجي بسـخاء، الأمل باستدراج التدخل العسكري الخارجي في لحظة من لحظات تطور الأزمة، الخوف مـن التراجع عن الأهداف الرئيسية (إسقاط النظام) نزولاً إلى أهداف وسيطة، التفاوض على مكاسب أو حلول لا غالب ولا مغلوب. والأهـم، الخوف من ثأر الدولة منهم إذا تراجعوا وأوقفوا القتال.
الدولة السورية اتخذت قرارها النهائي بوضوح لا لبس فيه: القضاء النهائي على الانتفاضة المسلحة بأقصى ما يمكن مع الاستخدام المطلق للسلاح... كل السلاح، وبأقصر وقت ممكن، باسـتغلال العجز الواضح للدول المرشحة للتدخل، عن التدخل بأي شكل من أنواع التدخل!
بهذه الصورة، بهذا الوضع، بهذا النوع من الاستعصاءات. دخلت سـوريا الآن المرحلة التي أظنها سـتطول، وهذا يعني تدمير 70 في المئة مما بناه السوريون «طوبة طوبة»، وما بنته دولتهم مؤسسة مؤسسة. والأهم نسف كل جسور المصالحة الوطنية، ذات يوم، مع أمراض الحروب، النفسية والجسدية.
كيف بهذه النتائج الكارثية، بهذه المحصلات، بهذا الشعب الجريح، بهذه المدن التي تختزن ذاكرتها آخر منظر للضحايا وهم تحت الركام وفي الشوارع، والبساتين والبيوت. وفي المخيمات، التي هي عادة، مصنع آلام الطفل بذاكرة باكية! أقول كيف بهذه الكميات من الخراب ستبنى سوريا مدنية، حديثة، ديمقراطية، حرة؟ سيمضي وقت طويل، في تصفية الحسابات. ووقت طويل لصياغة اتفاق الأطراف المدنية والمسلحة، ووقت طويل لإعادة البناء العمراني والنفسي. وسيكون أمامنا مرحلة انتقالية مريرة يقودها مختلف أصناف البشر، المختلفين من الألف إلى الياء. لا أدري مما يتكوّن حلم ميشيل كيلو؟ ولا أدري كيف، فجأة، سينتقل السوريون من قتال الشـوارع إلى بناء المصانع؟ ولا أدري، أيضاً، كيف تجاهل ميشيل المرحلة المضمرة التي لم يدخل إليها البلد بعد؟ وهي مرحلة فوضى السلاح إذا انهارت الدولة والجيش، والمؤسسات القانونية؟ وهل هذا التجاهل الواقعي والحالم، يعني إلغاء الاحتمالات الافتراضية بأن الحرب ستنتقل من حرب الدولة والمسلحين، إلى حرب السوريين والسوريين؟
* روائي وشاعر سوري