أمس، تجاهلت الأكاديمية السويدية «الربيع العربي»، ولعلها «نأت» بنفسها عن إثارة جدال صاخب فيما لو اختارت اسماً عربياً لا يحظى بإجماع أدبي وسياسي معاً. هكذا، أدارت ظهرها لكتَّاب الضاد، سواءٌ من وقفوا مع الثورات العربية أو من انتقدوها. بعد استبعاد العرب، والأسماء المزمنة في قائمة الترشيحات، يمكننا القول إنّ «نوبل» للآداب (1.2 مليون دولار) ذهبت إلى أحد الأسماء القوية في ترشيحات هذا العام.


صحيح أنّ حظوظه كانت أقل من جاره الياباني هاروكي موراكامي، لكن الصيني مو يان ليس اسماً مجهولاً في خريطة الأدب الصيني والعالمي، كما أن السينما قدمته إلى الجمهور عبر ثلاثة أفلام، أشهرها «الذرة الحمراء» (إخراج زانغ ييمو) الذي حصد الجائزة الأولى في «مهرجان برلين» سنة 1988.
ولد مو يان (اسمه الحقيقي غوان مويه) عام 1953 في إقليم شاندونغ. عاش طفولة قاسية، وأُجبر على ترك المدرسة وهو في الـ 12 من عمره. عاش أنواعاً من الوحدة في العمل راعياً للأبقار والخنازير، وهو ما ظهر في اختياره لاسمه الأدبي الذي يعني «لا تتكلم»، بينما تُرجمت العوالم التي عاشها في عدد من قصصه ورواياته، بل إن روايته «الحياة والموت يستنفدانني» التي تغطي تاريخ الصين في النصف الثاني من القرن العشرين، تبدأ بوباء يصيب الخنازيز في حظائر المزارعين الذين، في غمرة انشغالهم بالتخلص من الجثث النافقة، لن يعلموا بموت زعميهم «الخالد» ماو تسي تونغ. لن يُخطئ القارئ إذا ربط استهلالاً روائياً كهذا بالبداية الخالدة لرواية «خريف البطريرك» التي برع فيها غابرييل غارسيا ماركيز في تصوير أبدية الديكتاتور الأميركي اللاتيني. على أي حال، لم تغب تأثيرات ماركيز عن بيان الجائزة، الذي أشارت الأكاديمية السويدية فيه إلى أن مو يان «أقام من خلال الجمع بين الخيال والواقع وبين البعد التاريخي والاجتماعي، عالماً يذكّر من خلال تعقيداته بعوالم كتّاب أمثال ويليام فولكنر وغابرييل غارسيا ماركيز، مع جذور ضاربة في الأدب الصيني القديم وتقاليد القصص الشعبية». الواقع أن نبرة مو يان تدين أولاً إلى تأثيرات رائد الأدب الصيني الحديث لو شيون (1881 – 1946)، قبل أن تأتي المؤثرات الأجنبية لاحقاً، وتمنح موضوعاته المحلية سماتٍ أقرب إلى أساليب الواقعية السحرية. ممارسةٌ أسلوبية كهذه لم تغب عن المراجعات النقدية التي كُتبت عن أعماله في الصحافة الصينية والأجنبية، وهو ما ظهر في كتاب كامل للكاتبة شيلي تشان بعنوان «صوت متفرد من الصين: العالم المتخيل لمو يان».
رغم نبرته الانتقادية، وانشغاله بتاريخ بلاده المضطرب، إلا أن أعمال مو يان لم تضعه في خانة الكتّاب المنشقين على غرار غاو كسينجيان، الذي سبقه إلى نوبل عام 2000. صحيح أنه اعتُبر صوتاً منحرفاً عن الأدب الصيني المعاصر، لكن ذلك لم يعرّضه للقمع أو الاعتقال، بقدر ما عرّضه لانتقادات معكوسة تتناول مواقفه السياسية المتساهلة، وعدم تضامنه مع أقرانه ممن تعرضوا للقمع والنفي. هكذا، يبدو أن الأكاديمية السويدية صالحت الصين في اختيارها له، بعدما أغضبتها في منح الجائزة لزميله السابق الحاصل على الجنسية الفرنسية.
الكاتب الغزير الإنتاج الذي أصدر 11رواية، ومئات القصص القصيرة، عبّر عن «سعادته وخوفه» حين أُبلغ هاتفياً حصوله على الجائزة المرموقة. في المقابل، وكعادتنا مع إعلان الجائزة، نكتشف أن معظمنا لم يقرأ اسم مو يان إلا في أخبار الترشيحات. حسناً، ليس جديداً على الثقافة العربية أن تُفاجأ باسم الفائز، على أمل أن تبادر إلى ترجمته.




ترجمة مصرية قريباً

قدّمت جريدة «أخبار الأدب» المصرية بعض المعلومات عن مو يان في أعدادها عام 2009، كما أنّ المترجم حسنين فهمي أنجز واحدة من أهم رواياته هي «الذرة الحمراء»، ودفع بها منذ عام ونصف عام إلى «المشروع القومي للترجمة»، لكن إجراءات الحقوق والمراجعة أجّلت نشر الرواية منذ 2011، وستصدر الرواية قريباً جداً، وفق ما أخبر المسؤولون المترجم. يصف الأخير هذا العمل بأنّه إحدى أهم الروايات الصينية الحديثة، التي تؤرخ لحرب المقاومة الصينية ضد المعتدي الياباني خلال الفترة من 1937 حتى 1945، وهي الرواية التي شهرت مو يان بعدما انتقلت إلى الشاشة الكبيرة.



ملحمة تاريخية ورؤى إيروسية



قبل أيام من انطلاق موسم «نوبل»، ندّد الكاتب الياباني هاروكي موراكامي (1949) بـ «الهستيريا القومية في الصين واليابان حول جزر سنكاكو/ دياوي» المتنازع عليها بين البلدين. وشاءت سخرية الأقدار أن تأتي «نوبل» لتضع صاحب «كافكا على الشاطئ» أمام نظيره الصيني مو يان (1955) بوصفهما الأكثر حظاً بالفوز، وفق ما نقلت جريدة «لوموند» قبل خمسة أيام. دخل ابن الـ 57 عاماً نادي الكبار لأنّه «رسم بواقعية التاريخ المتقلّب لبلده». أعلنت الأكاديمية السويدية في بيانها أمس أنّ عمليه «أنشودة الثوم الفردوسي» (1988) و«بلد الكحول» (1992) «اعتبرا هدّامين في الصين بسبب انتقادهما اللاذع للمجتمع الصيني المعاصر».
أعماله تطغى عليها الواقعية المدموغة بالهلوسة، التي تذهب إلى حد العنف. يرصد مو يان كل التحوّلات التي مرّت بها الصين، قبل حقبة الشيوعية وخلال الاجتياج الياباني، وفي ظل الثورة الثقافية، وغيرها الكثير من الحقب المضطربة الأخرى. في «ثديان جميلان، مؤخرة جميلة»، وقّع مو يان ملحمة عن تاريخ الصين في القرن العشرين، بين تراجيديا التاريخ والرؤى الإيروسية، من خلال شخصيات غير متوازنة تعيش في إحدى القرى، ومن خلال طفل ولد من أم مزارعة صينية وأسقف سويدي. قالت الأكاديمية في بيانها إنّه خلق عالماً يحيلنا بتعقيداته على عوالم كتّاب أمثال ويليام فولكنر، وغابرييل غارسيا ماركيز، مع انغرازه في الأدب الصيني القديم والتقاليد الحكواتية الشعبية.
رد فعل مو يان على نيله الجائزة المرموقة كان في تصريح أدلى به لإحدى الوكالات الصينية. قال: «شعرت بسعادة غامرة عندما علمت بخبر فوزي. سأركّز الآن على كتابة أعمال جديدة. أريد الانخراط أكثر في الكتابة كي أشكر العالم على هذه الهدية». لكنّ خبر نيله الجائزة كان محل جدل أيضاً. قال عدد من النشطاء المدافعين عن حقوق الانسان إنّ مو لا يستحق الجائزة، ونددوا به لاحتفائه بخطاب لماو تسي تونغ. وقال تنغ بي ياو المحامي في الدفاع عن حقوق الإنسان إنّه «على الصعيد السياسي، كان مو يان يغني نفس اللحن مع نظام غير ديموقراطي».
وأضاف «أعتقد أنّ فوزه بجائزة «نوبل» غير مناسب.» وتابع «بصفته كاتباً مؤثراً لم يستخدم تأثيره للدفاع عن المثقفين والسجناء السياسيين. بدلاً من ذلك، كان يروج لمصالح الحكومة من خلال كتابة الخطاب». إلا أنّ الأوساط الأدبية رحّبت بهذا الفوز. قال الاختصاصي في الثقافة والآداب الصينية في الأكاديمية السويدية غوران مالمفيست إنّ الفوز «أحد أفضل قرارات الأكاديمية، لأنّ الكاتب فعلاً لامع»، فيما نقلت صحيفة «لو فيغارو» عن الكاتب الفرنسي المقيم في الصين فنسان هاين قوله: «مو يان من الأدباء الذي يبرهنون بفضل عملهم وموهبتهم الكبيرة أنّه في مواجهة السياسة والاقتصاد والتاريخ، فإنّ الكلمة الأخيرة تبقى للأدب حين يهب نفسه بهذا الشكل».