إنّها المحطة الفرنسية التي ادّعت منذ تأسيسها عام ١٩٨٤ أنها «مختلفة» وستقدّم «إضافة» نوعية الى المشهد التلفزيوني الفرنسي. اسمها «كانال بلوس» +Canal أول قناة خاصة في فرنسا أخذت على عاتقها بثّ الأفلام التي تتصدّر شبابيك التذاكر ونقل أهمّ الأحداث الرياضية وخصوصاً دورات كرة القدم الأوروبية والعالمية. وفي السنوات الأخيرة، باتت للبرامج السياسية وبرامج المتفرّقات حصّة في برمجة المحطة التي أضافت الى شعاراتها السابقة ميزة «التعددية».


لكنّ «كانال +» التي تروّج لهوية إعلامية مبنيّة على «الاختلاف» و«التعددية»، ارتكبت أخيراً حماقة بيّنت مدى ارتهانها الى رأس المال واللوبي المؤيّد لإسرائيل مثلها مثل باقي المؤسسات الإعلامية الفرنسية، فيما بقيت التعددية مجرّد شعارات فارغة تسقط أمام أول خطّ أحمر سياسي معمّم على المجتمع الفرنسي.
هكذا، لم تتحمّل الشاشة «الجريئة» ظهور كلمة «فلسطين» Palestine مطبوعة على قميص ضيف في أحد برامجها الأساسية منذ أيام. ارتعب معدّو البرنامج من الكلمة والقميص، وارتبكوا تحت الهواء ثم لجأوا الى حيلة تصويرية أخفت كلمة «فلسطين» عن الشاشة طوال فترة بث الحلقة. تنفّست «كانال +» الصعداء، إذ لم «يخدش» ذلك الاسم نظر مشاهديها، والأهمّ أنه لم يزعج أيّاً من المعلنين. لكن ماذا حدث فعلاً في استديوهات «كانال +»؟ ولماذا ارتعبت محطة تلفزيونية... من قميص؟!
في 24 أيلول (سبتمبر) الماضي، حلّ الصحافي والمغامر الرياضي الجزائري ــ الفرنسي نذير دندون ضيفاً على البرنامج الحواري Le Grand Journal (من تقديم ميشال دونيزو). جاء دندون ليتحدّث الى جانب ضيوف سياسيين وفنيين، عن مغامرته الأخيرة في تسلّق قمة جبل إفريست تزامناً مع حادثة مقتل المتسلقين الفرنسيين في جبال الهمالايا. المغامر الفرنسي ذو الأصول الجزائرية صعد الى البلاتوه وهو يرتدي قميصاً أسود طُبعت عليه كلمة Palestine. يقول دندون في مقال كتبه اثر الحادثة في «نوفل أوبسرفاتور» إنّه «منذ لحظة وصوله إلى المحطة، لاحظ توتراً وبرودة في الاستقبال من قبل معظم الحاضرين في الاستوديو والمشاركين في الحلقة» من دون أن يدرك السبب. ويتابع أنّه خلال أول فاصل إعلاني «أقبل مساعدان مرعوبان اليه وطلبا منه على عجل أن يلبس سترة فوق قميصه». لم يفهم دندون هدف الاقتراح ولا سبب الارتباك الحاصل، فلبس السترة. لكنّ أحد المساعدين قال يائساً «لن تنجح السترة في إخفاء القميص». خلع الضيف السترة وتابع الحلقة في الأجواء المتوترة ذاتها. اكتشف دندون لاحقاً أنّ سبب «الرعب» الذي عمّ الاستوديو لم يكن سوى قميصه الذي يحمل كلمة «فلسطين»، وفوجئ بعد مشاهدة الحلقة بأن كل اللقطات التي ظهر فيها، ركّزت فقط على الجزء العلوي جسمه. الضيف «غير المرغوب بقميصه» وُضع في كادر تصويري ضيّق لا يُظهر سوى قبّة القميص ووجهه فقط، علماً أن باقي الضيوف ظهروا في كادرات واسعة تبيّن جزءاً كبيراً من قاماتهم وثيابهم.
رئيس تحرير برنامج Le Grand Journal نيكولا إسكولان ردّ على دندون في «نوفل أوبسرفاتور» أيضاً بأنّ «سبب القلق الرئيس كان وجود عبارة مكتوبة باللغة العربية تحت كلمة Palestine لم نفهم معناها... وبما أن تلك العبارة قد تحمل معاني عدة، وبما أننا ندرك حساسية المسألة الفلسطينية، قررنا أن لا نظهر ما كتب على القميص». لكن إسكولان ناقض نفسه حين قال في ردّه إنّ أحد المشاركين في الحلقة سأل دندون عما كُتب على القميص، فأجابه «رسالة سلام». إسكولان لم ينف أيضاً أنهم تعمّدوا تصوير دندون داخل كادرات ضيّقة كي لا يظهر ما كتب على القميص. لم يصدّق المعدّ والمخرج إذاً أن ضيفهما يحمل رسالة سلام، لم يبحثا في ذلك أصلاً، بل إن همّهما الوحيد كان عدم تعكير صفو شاشتهم بكلمة Palestine. لذا قررا بكل «تعددية» وديموقراطية واحترام لحرية التعبير أن يحذفوا الكلمة بحيلة تصويرية.
طبعاً، لم يثر الموضوع الضجّة التي يستحقها في الاعلام الفرنسي للسبب عينه: خضوع معظم المؤسسات الصحافية للمجموعات السياسية والتمويلية الحليفة لإسرائيل. «ماذا يحصل في كانال +؟ لمَ كل هذا الخوف والانزعاج؟ كيف وصلنا الى هنا؟» يسأل دندون في ختام مقاله خاتماً: «يعملون تحت لواء حرية التعبير لكن توضع لها ضوابط لمجرّد همس كلمة فلسطين».