القاهرة | لا يخفي أعضاء الجمعية التأسيسية التي ستتولى صياغة الدستور المصري الجديد، خوفهم من حرية الصحافة والإبداع، ويحاولون بكل ما أوتوا به من صلاحيات أن يضعوا قيوداً على العمل الصحافي، كي يكون تحت سيطرة أجهزة الدولة، وخصوصاً الأمنية، وفي خدمة النظام ورئيسه. تلك الرغبة ظهرت جلياً مع انتهاء الجمعية من صياغة باب الحريات والحقوق والواجبات في الدستور الجديد.


ألغى أعضاء اللجنة المادة التي كانت تمنع حبس الصحافيين في قضايا النشر وكانت تنصّ على أنّه «لا يجوز الاتهام في جرائم النشر بغير طريق الادعاء المباشر ولا توقع عقوبة سالبة للحريات في هذه الجرائم». وأصرت اللجنة على إدراج إمكان غلق الصحف بحكم قضائي. وجاء في المسودة النهائية أنّ «حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على ما تنشره محظورة، ولا يكون إنذارها ولا وقفها ولا إلغاؤها إلا بحكم قضائي، ويجوز الاستثناء في حالة إعلان الحرب أن تفرض عليها رقابة محددة»، ما يعني إمكان غلق الصحف قضائياً، ورفض مطلب الجماعة الصحافية بإلغاء مادة تتحدث عن غلق الصحف، إن قضائياً أو إدارياً؛ لأنّها عقوبات جماعية لخطأ فردي تخالف القوانين والمواثيق الدولية.
عضو الجمعية التأسيسية، العضو في نقابة الصحافيين وحيد عبد المجيد، قال لـ«الأخبار» إنّ هذه المواد وردت فعلاً في الصيغة النهائية لباب الحريات والحقوق والواجبات، مضيفاً: «شكّل إدراج هذه المواد مفاجأة بالنسبة إليّ»، وأشار إلى أنّه قدّم مذكرة إلى لجنة الصياغة في الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، تنقد هذا الباب، وخصوصاً تلك المواد المتعلقة بالصحافة.
بدوره، قال الصحافي صلاح عيسى إنّه لاحظ عند حضوره جلسات استماع أعدتها الجمعية التأسيسية لعدد من الصحافيين والإعلاميين أنّ هناك مزاجاً معادياً لحرية الصحافة، مشيراً إلى أنّ بعض أعضاء الجمعية يرغبون في تقييد حرية الصحافة لوقف انتقاد الرئيس محمد مرسي: «لدى الأعضاء حرج من قيام الصحف بذلك»، وفق ما يقول عيسى، مضيفاً أنّ ذلك جانب شخصي يسيطر على الأعضاء، وهناك جانب سياسي آخر يدفعهم إلى محاولات التضييق على الصحافة: «أعضاء الجمعية يخافون من استمرار النقد الموجّه إلى الأحزاب الدينية بما يؤثر على شعبيتهم وجماهيريتهم». وتابع عيسى قائلاً إنّ العقوبات التي جاءت في مسودة الباب لا يعرفها أي بلد ديموقراطي في العالم، مشدداً على أنّ هناك رغبة لدى حزب «الحرية والعدالة» في إرساء «استبداد جديد» يحلّ محل الدولة التي انهارت بالثورة.
من جهته، قال المرشح السابق لمنصب نقيب الصحافيين يحيى قلاش إنّ ما يجري في الدستور الجديد اليوم «كارثة أكبر عما كانت عليه أيام المخلوع مبارك». واستنجد بكل الهيئات والمؤسسات المعنية بحرية الرأي والتعبير من مثقفين ومبدعين وصحافيين ومنظمات مجتمع مدني وفنانين ونقابة الصحافيين و«المجلس الأعلى للصحافة»، داعياً إياهم إلى «الوقوف ضد هذه المهزلة». وتابع بأنّه إذا لم يتحدوا لوقف هذا الأمر، «فسنجد أنفسنا أمام فاشية جديدة». وقال قلاش إنّ الدستور الذي يوضع الآن «يقوم على الإقصاء وسلب الحريات والتراجع عن كل مطالب الصحافيين بحرية الرأي والتعبير».
الصحافي والوكيل الأسبق لنقابة الصحافيين، عبد العال الباقوري قال إنّ العقوبات السالبة للحريات تجاوزتها دساتير العالم تقريباً «ما عدا استثناءات قليلة». وتوقع ألّا تمر هذه النصوص من دون معارضة قوية، «ليس من الصحافيين فحسب، بل أيضاً من القوى التي تريد دستوراً يعبّر عن كافة أطياف الشعب المصري»، وأضاف: «المعركة لن تكون سهلة».
وعن دور نقابة الصحافيين، حاولت «الأخبار» التواصل مع نقيب الصحافيين وعضو الجمعية التأسيسية ممدوح الولي ذي التوجه الإسلامي، إلا أنّه رفض الحديث، مبرراً ذلك بانشغاله في اجتماع مهم. وقال: «سأعاود الاتصال بكم مرة أخرى». أما الأمين العام لنقابة الصحافيين كارم محمود، فقال إنّ مجلس النقابة سيتخذ كل الخطوات لمواجهة هذه المواد التي «تعيدنا إلى عصور الظلام». وأضاف أنّ «كل الطرق مفتوحة أمامنا للاعتراض ومحاولة منع هذا المشروع». ولفت إلى أنّ النقابة ستسعى إلى التواصل مع منظمات المجتمع المدني والأحزاب، بما فيها حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. وأشار إلى أنّه في حال فشل كل هذه الجهود، سيُدعى إلى جمعية عمومية طارئة لأعضاء النقابة والتشاور في الخطوات التصعيدية، خاتماً: «لا يمكن أن يستمرّ مجلس النقابة والدستور الجديد ينص على تلك المواد».