القاهرة | يصعب الفصل بين أعمال آمال قناوي (1974 ــــ 2012) البصرية ونصوصها الأدبية القليلة التي كتبتها لتجاور غالبية معارضها. في تلك النصوص، يمكن العثور على مفاتيح لتفسير عالمها، الذي كشف عن روح طليعية لفنانة ظهرت كشهاب عابر منذ معرضها الأول في «مهرجان النطاق» في القاهرة عام 2001 . تأرجحت نصوصها السردية بين رغبة أنثى في البوح وحاجتها الى التمرد وكسر الاعراف، مع وعي وتأمل لانشغالات الذات. لقد كشفت عن روح قلقة تهجس باكتشاف القوانين التي تحكم الجسد. في اشتغالاتها الفنية، آمنت قناوي بأنّ وجود الذات لا يتطابق مع استقلاليتها. من هنا، سعت إلى تحديد علاقتها بالوجود والعدم.


قارب النقاد فنّها من منظور نسوي فسّر العلامات البصرية المتكررة في أعمالها تفسيراً نفسياً محضاً يقابل بين الانوثة والذكورة في ثنائية مبتذلة تعيد إنتاج الكليشيه المعتاد عن وضعية المرأة الفنانة في العالمين العربي والإسلامي أكثر ما يظهر ذلك الطموح الفذ في تأمل العلاقة مع الفن كأداة للتعبير وللتغيير في آن واحد. ظهرت أعمال قناوي في نهاية التسعينيات ضمن منظومة من الانتاج الادبي والفني، توصف في الأدبيات المصرية بـ «كتابة الجسد» وفنونه. مساحات ابداعية عملت على تأويل العلاقة مع الجسد بطريقة كشفت مأزق هذه الذات وهشاشتها، وراهنت على الحيز الشخصي أكثر من السعي الى الذوبان في المجموع. سعي ارتبط بنزع الروح التبشيرية عن الفن، وقد فرض هذا الانتاج نفسه ممثلاً علامة مهمة في الثقافة المصرية. في هذا السياق، أوجدت قناوي لغة بصرية قادرة على مخاطبة الجميع هرباً من عزلة يعانيها الفن المعاصر. تجلّى هذا المسعى منذ أعمالها الأولى مع شقيقها عبد الغني قناوي التي جاورت بين النحت والفوتوغرافيا، وتطوّرت لاحقاً الى التجهيز والفيديو آرت. برزت موهبة قناوي في عملها الشهير «المطبخ» الذي نال «جائزة بينالي القاهرة 2010». تجهيز يكشف حميمية العلاقة التي قد تجمع امرأة عصرية بتفاصيل مطبخها اليومية. قدمت في القاعة مطبخاً كاملاً يحوي ركناً يحتشد بأصص الزرع وأقفاص العصافير مع مرايا وثلاث قنوات تبث صوراً الكترونية (فيديو) تظهر أطفالاً في مدرسة يقدمون الأناشيد. رغم الغناء، يمارس عليهم القهر من مدرسهم، والثانية تجسد شخصاً على كرسي متحرك يهز رأسه فقط. أما الثالثة فتقدم عرضاً حياً بالفيديو حيث بدت آمال زاحفة على الأرض تقود مجموعة من البشر البسطاء، يزحفون خلفها على مرأى المارة والسيارات.
وكما ينطلق كتاب الأدب مما يسمى «الكتابة بفعل اليوميات»، أعطت قناوي مساحة كبيرة من عملها ليومياتها التي جمعت بين السردي والبصري في تجاور مدهش. نجد أثرها في فيديو آرت «سوف تُقتل» الذي نال «جائزة بينالي الشارقة الثامن» عام 2007. هذا المشروع المسكون بالعنف الذي تحتضنه حالياً غاليري Q Contemporary البيروتية، عبارة عن مجموعة رسوم لقناوي تفحص العلاقة بين الانسان ومحيطه من خلال أحلامه التي تتجسّد أمامنا على الحائط.
طوّرت الفنانة العلاقة مع هواجسها الى مساحة أكثر تحرراً تسائل محطات رئيسية في تجربة الحياة، منذ الولادة مروراً بالزواج وصولاً الى الموت، الذي اختطفها باكراً وكانت واعية باقترابه، ربما قبل أن تكتشف إصابتها بالسرطان بسنوات. فقد سألت في أحد نصوصها السردية: «هل سأموت بعد الحياة أو خلالها؟». غالبية أعمال قناوي دارت في أجواء غرائبية، لكن لا يمكن ردها الى مناخات «الواقعية السحرية». اشتغلت على تفاصيل موغلة في واقعيتها، الا أنّ مزجها الاطار الواقعي مع عالم يقوم على الاصطدام بالغريب والمستحيل حدوثه يبدو كأنّه يجسد مقولة مارتن جي، الذي يرى أنّ «الغريب هو مجاز هذا العصر».

«سوف تقتل»: حتى 6 تشرين الأول (أكتوبر) ـــ Q Contemporary (الزيتونة ـ وسط بيروت) ـ للاستعلام: 03/300520




كوابيس المخيلة

في حواراتها، تحدثت آمال قناوي عن هوسها بـ «الانزياح» الذي قادها إلى «الغابة الأرجوانية المصطنعة» (رسوم متحركة بالفيديو 2005). يقوم العمل على حلم تتكرر فيه عبارة «الغابة الأرجوانية المصطنعة». هنا، عرّت الأشياء، وأعضاء الجسم، واستخدمت قطعه لتكون عناصر رئيسية في العمل، حيث مثلت كل قطعة بطلة الحكاية. نظرت قناوي الى نفسها في أوقات كثيرة من تجربتها كـ «شهرزاد معاصرة»، تملك إعادة تركيب الحكاية بما ينسجم مع حضورها الجديد، وأقامت علاقة مع بطلة الحكاية، بوصفها كلاً واحداً أو «أجزاءً خاصة» تتغذى، دائماً وبلا نهاية. إنّها ذروة التعاطي مع «المسخ» المقبل من مخيلة لم تكف عن إنتاج الكوابيس.