القاهرة | لم يكن ذلك الاعتذار الأول لنادر بكار، المتحدث الرسمي لحزب «النور» السلفي. تكررت اعتذاراته مراراً عن بعض تصرفات أعضاء حزبه، حتى اشتهر بلقب «المعتذر الرسمي لحزب «النور»». هذه المرة، لم يكن الاعتذار عن تصرف حزبي، بل محض تنازل عن قبول عضويته في «المجلس الأعلى للصحافة» في مصر الذي اختير بكار لعضويته بوصفه «شخصية عامة». لكنه أعلن في اعتذاره أن «هناك من الشخصيات العامة أقرب مني بكثير لخوض غمار هذا المجال».


خفف اعتذار القيادي السلفي الشاب من احتقان الرأي العام، لكنه لم ينهه. بدا الاعتذار محرجاً لمجلس الشورى ذي الغالبية الإسلامية الذي اختاره للعضوية، بعدما اختاره قبلاً في عضوية اللجنة التأسيسية للدستور. أما الصحافة، فلا تتعدى علاقة بكار بها سوى مقال أسبوعي في إحدى الصحف المستقلة، لكنّ إسلاميي مجلس الشورى وجدوا ذلك كافياً لتعيين «طفلهم المعجزة» ـــ على حد وصف ساخر آخر ـــ في المؤسسة التي تشرف على الصحافة في
مصر. تغرق مصر في التفاصيل اليومية والاعتذارات والأنباء ونفي الأنباء، حتى تطغى تلك التفاصيل على المشكلات الرئيسية. لا تكمن مشكلة المجلس الأعلى للصحافة في بكار، ولا تقتصر على التشكيل الجديد المحبط لعضوية المجلس الذي لا يختلف عن التعيينات الأخيرة لقيادات الصحافة الحكومية، ولا عن التشكيل الجديد لـ«المجلس المصري لحقوق الإنسان». تقع أزمة «المجلس الأعلى للصحافة» أساساً في وجوده، وفي صلاحياته الشمولية والمبهمة معاً. وتبدو الهيمنة الإخوانية على المجلس كغيره من المجالس والمؤسسات مجرد استبدال وجوه حليقة بأخرى ملتحية، من دون تغيير في فلسفة الإدارة أو نهج
القوانين. من عهود الاستبداد ومفاهيمها، يأتي مجلس الصحافة المتأسس في نهايات عهد السادات الذي ينص قانونه على أنّه «هيئة مستقلة»، تقوم على شؤون الصحافة «بما يحقق حريتها واستقلالها وقيامها بممارسة سلطاتها».
لكن قانون هذه الهيئة التي لم تكن مستقلة يوماً، سرعان ما يفصح عن شعاراته المطاطة «في إطار المقومات الأساسية للمجتمع، وبما يكفل الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي». كان المجلس ولا يزال خاضعاً لمجلس الشورى الذي ظل خاضعاً بدوره للحزب الحاكم. ثم خضعت المجالس والهيئات التابعة له للهيمنة الحكومية من يوم إنشائها إلى اليوم. لم تتبدل الحال بحلول «الحرية والعدالة» محل «الحزب الوطني». لم يتغير قانون مجلس الصحافة، فما زال يرأسه رئيس مجلس الشورى، ويضم نقيب الصحافيين ومسؤولي الصحف القومية وبعض الصحف الحزبية وشخصيات عامة. ورغم خفوت هيمنة المجلس على الصحافة المصرية عموماً بسبب ازدهار الصحف الخاصة والمستقلة، وتراجع توزيع الجرائد الحكومية الأكثر خضوعاً للمجلس، والاندثار المتزايد للصحافة الحزبية، حتى إنّ صحيفة حزب «النور» السلفي حديثة التأسيس ما لبثت أن توقفت سريعاً (ومع ذلك اختير رئيس تحريرها لعضوية المجلس)، إلا أن المجلس ما زال يحتفظ بالسلطة الأهم: رخصة إصدار الصحف في مصر، فضلاً عن بعض الأمور الإدارية الخاصة بالصحافيين وأمور الطباعة، و«إبداء الرأي» في القوانين المنظمة
للصحافة. هكذا يرأس المجلس في تشكيله الجديد رئيس الشورى الإخواني أحمد فهمي، ونقيب الصحافيين المدعوم من الجماعة ممدوح الولي، ويضم التشكيل مجموعة متنوعة من المقرّبين من الإخوان الذين لا يتمتعون بكم كبير من الكوادر الصحافية على عكس حالهم مع النقابات المهنية الأخرى، كالمهندسين والأطباء والمحامين.
لا يصل الوجود الإخواني في التشكيل إلى الهيمنة الكاملة، وهو السيناريو المطبق في اختيار تشكيل الحكومة المصرية برئاسة هشام قنديل، وكذلك في القيادات الصحافية الحكومية؛ إذ تتحسس الجماعة من مصطلح «أخونة الدولة» الذي استشرى إثر اختياراتها خاصة في مجال التأثير على الرأي العام، وبعد اختيارها صحافياً إخوانياً هو صلاح عبد المقصود وزيراً للإعلام. لكن الجماعة لا تبدو راغبة في الاستعانة بالقوى الكفوءة من التيارات الأخرى أو حتى من الشخصيات المعروفة باستقلالها الصلب. هكذا، لم يعد أمامها سوى الاستعانة بالفلول! في الحكومة كما في المجالس المتخصصة، وهو ما ساعد في رواج مصطلحات أخرى، على غرار «أسلمة الحزب الوطني»، أو «مبارك الملتحي»، أو «الرئيس محمد مرسي مبارك»... أوصاف محبطة، لكنها تبقى حتى الآن أقل إثارة لقلق الرأي العام من أوصاف الدولة الدينية.